العنفُ النائم في اللغةِ السورية اليومية

بخلاف العنف الفظّ والمباشر الذي يُمارَس على الأجساد ضرباً وسجناً واغتصاباً، ثمّة “عنفٌ رمزي” يستتر بين التفاصيل اليومية، أشبه بمحرّكٍ خفيّ للمشهد الاجتماعي، من دون آثار دموية في واقع الأمر. عنفٌ نجح في تحديد أدوار ضحاياه الذين ينقادون إليه ومن خلاله. ويستبطن هذا الانقياد جهلاً بطبيعته كعنفٍ مُمارَسٍ عليهم. هكذا تمرّ السلطة المستبدّة عبره إلى كلّ مكان وفي كلّ حقل، متوسّطةً الرموز واللغة والقوانين والأعراف، لتعاود إنتاج نفسها وتأمين استمرارها. وفي بلدٍ لا يزال يعيش أزماتٍ ملتهبة ومستمرّة كسورية، وبعدما قُبض على أمكنة انتشار السلطة وتمدّدها، وكُشف عنها مندسّةً في موقعياتٍ سريّة ومحجوبة، هذا كله كان لا بدّ أن يميط اللثام عن ظاهرة “العنف الرمزي” بوصفه مفهوما فكريا وسياسيا إلغائيا، بعدما غُرزت أظفار الحاكم في الجسد السوري منذ خمسة عقود، بحجة تأديبه وترويضه، فأشبعته تشويهاً وإقصاءً وازدراء.

وليس مفارقاً للواقع هذا العنف، بل لصيق به وبشخوصه، يتمظهر في سكناتهم وفي أدائهم، وفي صور نشاطهم وفاعليتهم كافةً، ليتحوّل إلى مسلّماتٍ وبديهياتٍ غير قابلة للنقد والمساءلة والمراجعة، فتثبت كمنمّطاتٍ تُسبغ عليها خصائص وصفات ثابتة ومتصلّبة. كما تتحوّل إلى مجسّاتٍ لتلمّس المضمر في أنساق صراعية، ذات أبعاد سياسية واقتصادية وحتى ثقافية وفكرية.

ولكن يبدو أنّ المكان، الذي يتطلّب بالضرورة دراسةً ملحّةً ومستعجلةً، هو كمون “العنف الرمزي” في اللغة اليومية، واستيطانه في الأنفس والعقول، ما يجعله دائماً في حالة تأهبٍ وحضور، فهو يفيض بالعنصرية والانغلاق، وينضح بفعل التخندق الهوياتي والثقافي، والخطابات العولمية للكراهية والنفور والإقصاء. هدفه الصريح إشاعة حالة من الإذعان عند الآخر البعيد عن السلطة، حيث يسعى الطرفُ المسيطر جاهداً إلى فرض الأفكار والمعتقدات، فاللغة السياسية، لا شكّ، تتصف بالقدرة الدينامية على إنتاج معتقداتٍ جديدةٍ ورسم أطر أيديولوجية يمكنها تكريس خطاب اجتماعي يرتكز على قواعد قيمية معينة، ويجسّد منطلقاتٍ ثقافيةً يحدّدها الطرف المهيمن في المجتمع ويقوم بتوظيفها، وفقاً لقناعاته، وأهدافه، ومصالحه.

رئيس حكومة النظام السوري يُدلي بتصريحه “الخارج عن الطبيعة”، أن “الحكومة تدعم المواطن بطرق أخرى غير زيادة الرواتب دون أن يشعر”

لذا يهتم المستبدّ باللغة اهتماماً بالغاً، ويحرص على إفقارها، ويغرقها بفائض معانٍ، ويمدّها بقاموس مفردات، وعبارات، وجمل، وشعارات، تشوّه الحياة وتهشّم تراكيبها وصياغاتها وبنيتها. كما تغذّي كراهية الآخر، وتثير الاشمئزاز والفزع منه، وتعطل الوعي النقدي، وتسدّ أفق الرؤية المتفائلة إلى الكون والوجود، وتغرق الذهن بكوابيس مرعبة لأعداء مفتعلين، متربصين في كلّ مكان.

وإني لأجزم باطمئنان أنّ أشد أشكال “العنف الرمزي” خطورة ذلك الملتصق باللغة. ولأكُن أكثر دقةً، ذلك الذي يتضح في تصريحات المسؤولين السوريين، ما يستدعي تحليلاً لسانياً لخطابات العنف الكثيفة، والسيّالة التي تتدفّق من كل حدبٍ وصوب. وعليه، يمكن اعتبار التصريحات أشدّ الظواهر الاجتماعية الملازمة للسوريين سميّة، بل وأشدّها فتكاً وأكثرها إثارةً للقلق، لما تُنتجه من آثار سلبية على المستويين، الفردي والمجتمعي، بأسره. وهي، في حقيقة الأمر، ليست إلاّ سلطة بناء الواقع، تسعى إلى إقامة نظام معرفي وإعادة إنتاج النظام الاجتماعي. بهذا، يُعتبر “العنف اللفظي” عنفاً نائماً خفياً هادئاً، غير مرئي وغير محسوس، حتى بالنسبة إلى ضحاياه. وهذا يعني، بالضرورة، أنّ ممارسته مرهونة بوجود رأسمالٍ رمزي، تسعى السلطة من خلاله إلى التعبير عن مشروعيتها الوهمية. في السياق، يقول عالم الاجتماع الفرنسي، بيير بورديو: “العنف الناعم، اللامحسوس واللامرئي، يُمارَس في جوهره بالطرائق الرمزية الصّرفة للاتصال والمعرفة، أو أكثر تحديداً بالجهل والاعتراف، أو بالعاطفة حدّاً أدنى”.

هاكِ أمثلة على سبيل الذكر: رئيس حكومة النظام السوري يُدلي بتصريحه “الخارج عن الطبيعة” أن “الحكومة تدعم المواطن بطرق أخرى غير زيادة الرواتب دون أن يشعر”.. وزير التربية يبخّ سمّه: “يلّي ما عم يكفيه راتبه يستقيل”.. “الموظف الذي لا يكفيه راتبه لآخر الشهر، لا يحقّ له أن يسحب قرضاً”: وهو تصريح حاكم مصرف سورية المركزي في وقتٍ سابق.. تصريحات بثينة شعبان المنفصمة، المعروفة بفلّاحة القصر الجمهوري وشيطانه المخيف: الاقتصاد السوري أفضل بخمسين مرّة مما كان عليه قبل الثورة السورية.. مستشارة الأسد الخاصة، لونا الشبل، تدعو السوريين البؤساء إلى مواصلة الصمود والتصدّي بينما ترتدي ساعة وحزاماً بآلاف الدولارات. إشادة احتفائية من مسؤولي النظام السوري ووسائل إعلامه بالطفلة شام البكور التي فازت في “تحدّي القراءة العربي”، من دون ذكر أنّ والدها قضى بقصف قوات النظام على ريف حلب.. البندورة ليست للمواطن العادي، والخضار مثل الحج لمن استطاع إليها سبيلاً: هذا بعض ما قاله رئيس لجنة تسيير أعمال سوق الهال في اللاذقية.. تصريح وزير التجارة الداخلية وحماية المستهلك، حول تصدير تجربة حكومة النظام المتعلقة بالبطاقة الذكية إلى روسيا ودول أوروبية لمواجهة أزمة ارتفاع الأسعار، زاعماً أنّها تعاني حالياً الأزمات الاقتصادية مثل سورية وأكثر، وأن روسيا طلبت الاستفادة من تجربة حكومة الأسد في هذا المجال…إلخ. وهو ما يجعلها تتعدّى دائماً ما هي عليه في نقطة ما.

يحتل الرمز في سورية مركز ثقل مؤثّراً، ويُعدّ بمنزلة علم مفتاحي للإحاطة المفهومية بمدى عمق عنجهية السّلطة وتطرّفها

تقنعنا هذه الأمثلة بأنّ مشكل العنف اللفظي شائك، وأنّ القضاء عليه مستحيل. فالأشياء التي تعطى في اللغة تعطى على نهوم السيادة، وأطلقت يد الحاكم فوق حدود أرضه. لتكتسب منعةً وصلابةً بعدما اصطبغت بصبغة القداسة التي تسلّلت في ما بعد إلى شعارات الأمة والمواطنة والقومية، فأفرزت صيغة دولة ذات سلطة لم يسبق لها مثيلٌ، وهي التوتاليتارية، أي السلطة المطلقة التي تطلق تعسّفها وتفلته من عقال السياسة في ظل الإفراط في العنف، وفي اكتساب هذه الممارسات الصامتة شرعيّتها من قوانين ومواد دستورية متصلّدة، بوصفها سلطة تعلو المجتمع وتُطبَّق ممسكةً على مفاصله كافّةً.

هذا النمط من “العنف اللفظي” الذي يطغى ثقافة سائدة اعتباطية يستمر في السّيادة والطغيان. وعلنيةُ هذا العنف أمام العامة هي إيغال في استعراض عبث السلطة، وتثبيت شخص الحاكم الذي يبثّ الرّعب لدى المتفرّجين الشاهدين على هذا السخاء في التنكيل، حتى لا يغيب عن ذهنهم وذاكرتهم التسليم بسيادة الكرسي المقدّس الذي يتّخذ من الجسد المعذّب مسرحاً لسلطته. بمعنى أنه مستمرّ في مرحلة الفوضى، حيث “حرب الكلّ ضد الكلّ”، بينما تتضح التوأمة المتلازمة والمتلاحمة بين اللغة والسلطة، وكشف استتار عنفها فتراتٍ طويلة، مطمئنة مستأنسة وراء زيوفها التي تظلّلها وتموّهها.

صفوة القول إن الرمز يحتل في سورية مركز ثقل مؤثّراً، ويُعدّ بمنزلة علم مفتاحي للإحاطة المفهومية بمدى عمق عنجهية السّلطة وتطرّفها. يفكّك شيفراتها الملغّزة ويفضح كيفية توغّلها في المؤسسات، وفي اللغة (الكلمات والتعابير اللفظية)، في الطقوس والمراسيم والاحتفالات والشعائر، وفي الثقافة، وفي الأيديولوجيا والمقدّس. ولا شكّ أنّ تدرّج التفكير الزمني بالسلطة وعنفها والنظر فيهما خارج منطق الماهيات والمتعاليات، والنزول بهما إلى الشارع السوري، والتحرّي عن ظلالهما في أماكن المجتمع الغائرة، لم يحصل دفعة واحدة، بل احتاج إلى الانغماس في إرهاصاتِ حقبةٍ تاريخية عاصفة بالتحوّلات، توّجت بافتتاح مرحلةٍ حديثة، حسم السوري فيها مصير الانتماء إلى زمنٍ متورّم بمقرّات عنفٍ لا مرئية، لكنها آمنة وتهوّن تقنّع عسف السلطة. فالسلطة مثوى العنف، وهو نهجها ودأبها الذي تتنوّع في ابتكار تلويناته وتشعيب مسالكه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *