الصين تختار التنافس لا المواجهة

عكست نتائج مؤتمر الحزب الشيوعي الحاكم توجّها إلى إعادة هيكلة النظام السياسي الصيني بإعادة تكريس العقيدة السياسية كموجه ومحدّد للخيارات والمواقف السياسية والأمنية الداخلية والخارجية؛ ما يعني تبنّي خطّ متشدّد ضد كل التيارات والدعوات السياسية إلى الإصلاح أو الليبرالية في الداخل والمواجهة مع الخارج لفرض الخيارات والمواقف في الجوار القريب، والعمل على توسيع النفوذ في الجوار البعيد وتعزيزه.

جاءت قرارات المؤتمر تعبيرا عن تصورات ورؤى يتبنّاها الرئيس الصيني، شي جين بينغ، الذي عمل على تشكيل التوازنات داخل الحزب الشيوعي الحاكم بضرب التوجهات الإصلاحية وإبعاد رموزها، ووضع موالين له في المواقع الحساسة وتركيب هيكل قيادي مدني وعسكري يسمح له بالتحكّم في القرار السياسي والعسكري للحزب والدولة، ومهّد الساحة لاستمراره في سدّة الرئاسة لفترة ثالثة على الضد من الدستور الذي حدّدها بفترتين فقط.

لم يكن هذا التوجّه جديدا أو مفاجئا، كان الرئيس شي جين بينغ، قد بدأ التمهيد له وتحضير استحقاقاته السياسية والإدارية وتهيئة الرأي العام الصيني للقبول والتفاعل مع التغيير القادم في السنوات الماضية، بدءا بتعزيز الرقابة داخل الحزب والجيش، وتوسيع الضبط الاجتماعي وتطويره، وملاحقة الظواهر التحرّرية والمناهضة للشمولية، مرورا بحملة “تطهير” داخل صفوف الحزب والجيش، تحت راية مكافحة الفساد، وإعادة تشكيل هيئة أركان الجيش الشعبي، بما في ذلك القيادة الحزبية فيه، ووضع الموالين له على رأسها. وهذا مع توتير العلاقات مع دول الجوار القريب، عبر مدّ حدود المياه الإقليمية والاقتصادية والسيطرة على جزر متنازع عليها مع الفيليبين وإندونيسيا واليابان ونصب موارد عسكرية فيها، مطارات ودفاعات جوية وقوات بحرية، والعمل على التحكّم بحركة مرور السفن في مضيق ملقا ونشر قوات بحرية في بحر العرب وقرب مضيق باب المندب وإقامة قاعدة عسكرية في جيبوتي، والتفاهم مع غينيا الاستوائية على إقامة قاعدة في مياهها العميقة على المحيط الأطلسي، والاتفاق مع جزر سليمان على استخدام موانئها للتوقّف والتزوّد بالوقود والمؤن، واستثمار مبادرة الحزام والطريق لوضع أقدامه في موانئ قارّات آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية، وتوسيع المبادرة تحت عنوان “طريق الحرير القطبي”، وإرسال قواتٍ وكاسحات جليدٍ إلى القطبين، الشمالي والجنوبي؛ واستغلال التوتر مع الخارج لتشديد الرقابة في الداخل وكمّ أفواه النقاد والمعارضين.

أثار تنامي القدرات الاقتصادية والعسكرية والتقنية الصينية، والتصعيد مع دول الجوار، حفيظة الولايات المتحدة لما له من انعكاسٍ على مصالحها في الإقليم وعلى صورتها وقوة ردعها، فاتخذ الرئيس الأميركي الأسبق، باراك أوباما، قرارا استراتيجيا بالتحوّل نحو الشرق، لتطويق الصين ومحاصرتها، حماية لمصالح الحلفاء وبقاء الإقليم تحت السيطرة الأميركية، عبر نشر موارد عسكرية ضخمة وتعزيز قدرات الحلفاء الدفاعية عبر مدهم بالأسلحة وإجراء تدريباتٍ ومناوراتٍ عسكرية معهم، من جهة، والحدّ من قدرات الصين على الوصول إلى التقنيات الغربية المتقدّمة، من جهة ثانية. وقد ردّت الصين على التوجه الأميركي نحو آسيا بالتوغل في الشرق الأوسط، وحقّقت نجاحاتٍ حتى مع حلفاء الولايات المتحدة التقليديين، إسرائيل ودول الخليج العربية، وعزّزت علاقاتها مع دول أوروبية، أربكت بها الخطط والتصورات الأميركية، وشكّلت تحدّيا كبيرا لها.

أطلق التحرّك الأميركي، العسكري والأمني، ضد الصين، موجة تنافس وتدافع جديدة في معظم المجالات الاقتصادية والعسكرية والتقنية

غير أن خطة أوباما لم تُحدث أثرا كبيرا، خصوصا بعد توجه إدارة الرئيس الجمهوري، دونالد ترامب، الاكتفاء بالضغط الاقتصادي على الصين، بذريعة انتهاك حقوق الملكية الفكرية الخاصة بالتقنية، واختلال الميزان التجاري بين الدولتين، ففرض ضرائب إضافية على الواردات من الصين، وقيّد التبادل العلمي معها وحارب تمدّدها التقني في العالم بإدراج شركة هواوي في القائمة السوداء ومنعها من الحصول على التقنية الأميركية، والعمل على منع الشركات الصينية من تركيب شبكات الجيل الخامس في العالم بذريعة استخدامها في التجسّس على الدول، لكن تصعيده مع الحلفاء، على خلفية تبنيه سياسة “أميركا أولا”؛ وربطه الدفاع عن الحلفاء بدفعهم مبالغ طائلة، وتنفيرهم بمراجعة الاتفاقات التجارية معهم وفرض ضرائب باهظة على الواردات الأميركية منهم، أضعف قوة إجراءاته ضد الصين في ضوء عدم انخراط الدول الحليفة فيها.

تغيّر الموقف مع الإدارة الديمقراطية الحالية برئاسة الرئيس، جوزيف بايدن، وعادت سياسة التركيز العسكري والأمني على الصين والتنسيق مع الحلفاء وتشكيل تكتلات سياسية وعسكرية وأمنية معهم لإحكام الطوْق على الصين، والحّد من قدرتها على التمدّد والتنمّر عليهم (تجمّع “كواد” الأمني الرباعي مع اليابان وأستراليا والهند وتحالف “أوكوس” العسكري مع الهند وأستراليا، وتفعيل اتفاقية التعاون والتنسيق الاستخباراتي (يوكيوسا)، القديمة والمستمرّة منذ 1946، مع كل من المملكة المتحدة وأستراليا وكندا ونيوزيلندا)، والتركيز على منع الصين من الحصول على تقنياتٍ غربيةٍ متطوّرة، أشباه الموصلات الدقيقة بشكل خاص، وقد زاد موقف الصين الملتبس من العدوان الروسي على أوكرانيا سخونة الموقف، عبر تلويح الإدارة الأميركية بتغيير موقفها من صيغة “صين واحدة” والتعاطي مع تايوان دولة مستقلة ذات سيادة، حيث أدّت رئيسة مجلس النواب الأميركي، نانسي بيلوسي، مع خمسة أعضاء ديمقراطيين في مجلس النواب، زيارة إلى تايوان في 2 أغسطس/ آب 2022، أطلقت خلالها مواقف داعمة للحكم فيها؛ وأعلن الرئيس الأميركي أن الدفاع عن تايوان هو “الالتزام الذي قطعناه على أنفسنا”.

أطلق التحرّك الأميركي، العسكري والأمني، ضد الصين موجة تنافس وتدافع جديدة في معظم المجالات الاقتصادية والعسكرية والتقنية، حققت الصين خلالها قفزات نوعية من خلال التوسّع في علاقاتها التجارية والعسكرية مع أكثر من 140 دولة، وعزّزت قدراتها العسكرية بزيادة وتيرة الإنتاج العسكري فغدت تمتلك أكبر عدد من السفن والزوارق الحربية السريعة، بالإضافة إلى بناء ثلاث حاملات طائرات وعشرات الغواصات ومئات الطائرات وأسلحة ليزر مضادّة للأقمار الصناعية؛ وقدرات لتعطيل الأقمار الصناعية المعادية، ورفعت عدد الصواريخ النووية لديها إلى 350 صاروخا، وخطّطت لرفعها خلال السنوات القليلة المقبلة إلى ألف صاروخ، وأجرت تجارب على صواريخ باليستية فرط صوتية، ونجحت في النزول على الوجه المعتم للقمر، وأسّست محطة فضائية خاصة بها، كما نجحت في إنتاج أشباه موصلات صغيرة ودقيقة، بحجم 14 نانومترا، ورفعت النبرة في وجه الولايات المتحدة بالتأكيد على استعادة تايوان للوطن الأم. استخدم الرئيس الصيني كلمة قوة 60 مرة في كلمته أمام مؤتمر الحزب الحاكم، وكان لافتا ظهوره بالزي العسكري، وهي المرّة الأولى التي يقوم بها بذلك، لتأكيد صدقية تهديداته.

استخدم الرئيس الصيني كلمة قوة 60 مرة في كلمته أمام مؤتمر الحزب الحاكم، وكان لافتاً ظهوره بالزي العسكري

شكّل سعي الصين إلى فرض سيطرتها على الجوار القريب والتمهيد للعب دور وازن في النظام الدولي، في ضوء القدرات الاقتصادية والعسكرية والتقنية التي راكمتها خلال العقود الأخيرة، تحدّيا كبيرا للولايات المتحدة وللرئيس الصيني معا، في ظل تبنّي الطرفين مواقف جذرية في مواجهة بعضهما بعضا في سياق سياسة “التنافس بين القوى العظمى”، الولايات المتحدة بتبنّي سياسة منع اجتياز الصين عتبة عسكرية وتقنية تجعلها تحتل الموقع الأول عالميا؛ والرئيس الصيني بربطه برنامجه لنهوض الصين، شعاره الأثير، بتعديل النظام الدولي القائم الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة وتتحكّم بآليات عمله، وفتح المجال لاحتلال الموقع الأول عالميا. وهذا وضعهما في موقف دقيق وحسّاس: المواجهة بما تحمله من مخاطر ودمار شامل للطرفين، أو البقاء في دائرة التنافس والضغوط المتبادلة والعمل على دفع الطرف الثاني للانصياع للمطالب وشروط التعايش والتعاون في إدارة نظام دولي يستجيب لمصالح الطرفين. وقد دفع العدوان الروسي على أوكرانيا الولايات المتحدة إلى العمل لتحييد الصين عن الصراع، كي تنجح في إحكام عزل روسيا وإفشال خططها العسكرية في أوكرانيا وأوروبا، من جهة، وقلق الصين على علاقاتها مع الدول الأوروبية، حيث أسواقها الرئيسة، ومن قطع القوات الأميركية إمداداتها من النفط من الخليج العربي وإيران، في حال انفجار المواجهة، وتقديرها المخاطر التي ستواجهها في ضوء ما عكسه الاتحاد الغربي في مواجهة روسيا في أوكرانيا، من جهة ثانية، ما رجّح خيار البقاء في ساحة التنافس، وفق ما أذيع عن نتائج لقاء الرئيسين الأميركي والصيني على هامش قمة مجموعة العشرين في جزيرة بالي في إندونيسيا يوم 14 نوفمبر/ تشرين الثاني الجاري، والتركيز على السباق السلمي نحو القمّة بتركيز الولايات المتحدة على عرقلة وصول الصين إلى التقنيات الدقيقة والحسّاسة التي تفتح لها طريق تعزيز صناعاتها في المجالين، العسكري والذكاء الصناعي، خصوصا أشباه الموصلات الدقيقة، ودفع الصين إلى الانخراط في عملية واسعة للفوز في معركة التقنية وجعلها مهمة قومية، وخوضها تحت يافطة نهج “الأمة كاملة”، حيث أعلنت عن خطّة الشهر الماضي تعطي هذا النهج تطوّرا جديدا، باعتماد أساليب مدروسة تستفيد من قوة آليات القطاع الخاص والسوق، بينما ستستمر الدولة في لعب الدور الرئيسي بتمويل الاستثمارات الطويلة والمعقدة، وترك الملف للسوق والشركات لتحديد التقنيات التي يتم تصنيعها وكيفية صنعها وأين تتدفق الموارد، ما يعني تعبئة الموارد الوطنية، البشرية والمالية، لإنجازها، وردت كلمة تقنية في كلمة الرئيس الصيني في مؤتمر الحزب الشيوعي الحاكم 40 مرّة. وقد استدعى التركيز على إنتاج أشباه موصلات صغيرة ودقيقة تأسيس شركة لهذا الغرض، شركة بي أكس دبليو، على أن تبدأ بالإنتاج عام 2025. أوردت وسائل إعلام أميركية أن وزارة التجارة الأميركية متنبهة للشركة الجديدة، وأنها تخطّط لفرض مجموعة جديدة من القواعد من شأنها أن تحول دون حصول الشركة الصينية الوليدة على تقنيات الرقائق الإلكترونية الأميركية والحليفة أو المعدّات اللازمة لتصنيعها أو على الخبرات البشرية، حيث ستتابع تعاقدات الخبراء مع الصين، وتتابع استخدام أشباه الموصلات المبيعة لشركات مدنية صينية لضمان عدم وصولها إلى الجيش الصيني عن كثب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *