مدعي عام الجنائية الدولية من طرابلس: المجرمون في ليبيا سيعاقبون

خان: فاجعة المقابر الجماعية لم يُشهد مثلها في تاريخ الحروب (تويتر)

قدّم المدعي العام في المحكمة الجنائية الدولية كريم خان، اليوم الأربعاء، إحاطته لمجلس الأمن الدولي حول الأوضاع في ليبيا، وذلك للمرة الأولى من العاصمة طرابلس، عبر تقنية الفيديو، مؤكداً خلالها أن “المجرمين سيعاقبون”.

وقال خان، خلال الإحاطة “هذه هي المرة الأولى التي يحضر فيها مدعي المحكمة إلى ليبيا في عقد من الزمن”.

وشدد على ضرورة تكثيف الجهود على الأرض في ليبيا، لكي يتمكن فريقه من القيام بمهامه. 

وأفصح خان عن لقائه مع العديد من الضحايا في مدن بنغازي ودرنة وتاجوراء وترهونة، بالإضافة إلى معاينته السجون التي احتجز فيها مدنيون في ظروف وصفها بـ”البشعة”.

وتحدث عن حالات “إلقاء جثث بعض الأشخاص الذين قتلوا في المكبات والمقابر الجماعية”، لافتاً إلى “إخراج 250 جثة على الأقل، وتحديد هوية عدد قليل منها”. وأشار المدعي العام ضمن إحاطته إلى توثيق انتهاكات لحقوق الإنسان في ليبيا بالأدلة، وللمرة الأولى منذ 2011.

وقال: “لقد جمعنا الكثير من الأدلة بفضل الصور والشهود والتسجيلات في لاهاي وتونس ومناطق أخرى، وقد التقيت في ترهونة بشخص فقد 24 فرداً من عائلته، وبأمّ لم تر أولادها منذ فقدانهم، وأخرى تحدّثت لي وهي تبكي، وقالت إنها راضية بقضاء الله، ولكنها تود رؤية جثة ابنها حتى تدفنه”.

وأضاف: “لقد شاهدت في ترهونة بعض الصناديق المعدنية التي احتجز فيها أشخاص وتعرّضوا فيها لمعاملة غير إنسانية متعمدة، وكل هذه الجرائم والمقابر الجماعية تظهر الحاجة إلى فصل السياسة عن المآسي الإنسانية”.
 
وتابع: “سمعنا أيضاً عن جرائم سابقة في مدن مصراتة والزاوية والشرق وتاجوراء، وعمليات تهريب واتجار بالبشر، واحتجاز لمهاجرين، وعلينا فتح تحقيق شامل منذ عام 2011 إلى اليوم”، وأردف: “نحتاج لبذل المزيد من الجهد بشأن الوضع في ليبيا. ومع أن التعاون مع السلطات في ليبيا قد لا يكون مثالياً، ولكني خضت نقاشات كانت صريحة، وقد تفيدنا هذه الصراحة”.

واستدرك: “الأمر لا يتعلق بالسلطة، وإنما بالعيش في سلام ومعرفة مصير المفقودين، ولا ينبغي أن يفقد الناس أملهم في تحقيق العدالة، وهذه ليست بالمهمة المستحيلة”.

وشدد على أن “الضحايا يبحثون عن الحقيقة. وأفهم الإحباط الذي يشعر به الكثيرون، ولذلك أشرت في تقريري الأخير أمام المجلس في شهر إبريل/نيسان، إلى خارطة طريق ستؤدي إلى مزيد من الشفافية في عملنا”. 

وحول خارطة الطريق تلك، قال: “في شهر إبريل/نيسان تحدثت عن زيادة الموارد المتاحة للفريق في ليبيا وضرورة زيادة وجودنا في الميدان من أجل التحقيقات، بغية الزيادة من فرص زيادة الشفافية والتوصل إلى نتائج يمكن قياسها. وأحرزنا تقدماً كبيراً في تنفيذ هذا المنهج الجديد”.

وأضاف في هذا السياق “للمرة الأولى منذ عام 2011، يوجد وبشكل مستمر عدد من الموظفين من مكتبي في المنطقة. في الفترة الأخيرة أجرينا عشرين زيارة لست دول، حيث جمعنا الكثير من الأدلة بفضل الشهود والتسجيلات والأقمار الصناعية، ناهيك عن التفاعل الكبير في شهر يونيو/حزيران في لقاءاتنا مع عدد من المسؤولين الليبيين وممثلين عن المجتمع المدني في لاهاي وتونس وأماكن أخرى”.

من جهة ثانية، كشف خان عمّا دار خلال اللقاء الذي جمعه أمس مع اللواء المتقاعد خليفة حفتر، قائلاً: “كنت شديد الوضوح في لقائي مع حفتر في بنغازي، بشأن حصول المحكمة الجنائية على أدلة حول مزاعم انتهاكات ارتكبتها قوات تابعة له.. قلت له إننا سنركز عملنا في ليبيا على تدابير تؤدي إلى نتائج ملموسة، سواء كان الأمر يتعلق بقائد عسكري أو فرد مدني”.

كما أوضح أن “القيادات العسكرية مسؤولة عن منع الجرائم والمعاقبة عليها عندما ترتكب”، مشيراً إلى ترحيب الجميع بفتح تحقيق شامل.
 
ووفقاً للإحاطة، فقد قدم المدعي العام اليوم ملفات سرية للقضاة المستقلين في المحكمة الدولية للبت فيها، وإصدار مذكرات توقيف بشأن المجرمين.

وعلّق المدعي العام على هذه الملفات بالقول: “لا أستطيع الكشف عن الملفات السرية، لكني أؤكد أن المجرمين في ليبيا سيعاقبون، وهناك بعض المعايير التي أشرت إليها، منها تسريع وتيرة العمل، وإضفاء مزيد من المتانة على التحقيقات، وجمع البيانات من أجل إصدار مذكرات التوقيف”.

وأكد أنه “لا يمكن أن نسمح لظاهرة الإفلات من العقاب بأن تنتشر، وهذا ما تريده أسر ضحايا الانتهاكات في ليبيا”.

وتأتي هذه الجلسة بعد زيارة أجراها خان إلى ليبيا بدأها السبت الماضي، حيث عقد عدة لقاءات وجولات في طرابلس، كما زار المقابر الجماعية التي خلفتها مليشيات “الكانيات”، التابعة لقيادة مليشيات اللواء المتقاعد خليفة حفتر في ترهونة.

من جهته، رحب ممثل ليبيا للأمم المتحدة، طاهر السني، بزيارة المدعي العام خان لليبيا “على الرغم من تأخرها، ولكن من الجيد أنها أتت الآن”. 

وأكد السني في الوقت ذاته على أن “ليبيا ملتزمة بمعاقبة مرتكبي الجرائم والانتهاكات التي نص عليها القانون الوطني عاجلا أم آجلا”.
 
وأكد أن “تعاوننا مع المحكمة حسب الولاية الممنوحة لها، يأتي بناء على مذكرة التفاهم الموقّعة بين مكتب النائب العام الليبي ومكتب المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية، كدور مساعد ومكمل للقضاء الليبي، ولكن ليس بديلا عنه”.

وتحدث السفير الليبي عن “استمرار كابوس المقابر الجماعية في ترهونة، حيث يستمر كشف الهيئة العامة للبحث والتعرف على المفقودين عن المزيد من المقابر، كان آخرها الأسبوع الماضي”.

وأكد على أن “مكتب النائب العام الليبي أصدر بالفعل مذكرات القبض على عدد من المتورطين والمتهمين في الجرائم الشنيعة. وتم القبض على عدد منهم، ويبقى التحدي الأكبر هو أولئك المختبئين خارج البلاد”. 

ودعا المندوب الليبي خان ومكتبه إلى دعم جهود بلاده، وإصدار أوامر قبض ضدهم وضد من يدعمهم.

وأثناء زيارته المقابر الجماعية التي خلفتها مليشيات “الكانيات”، وقف المدعي العام على حجم الجرائم التي ارتكبتها المليشيات، كما استمع لشرح وافٍ من قبل مسؤولي الهيئة العامة للبحث والتعرّف إلى المفقودين الحكومية حول عدد المقابر الجماعية التي فاقت 85 مقبرة، وعدد الجثث المنتشلة منها، بحسب إيجاز صحافي للهيئة على صفحتها الرسمية على “فيسبوك”.

وكان خان قد أكد لأهالي ترهونة التزامه بتسريع عمل المحكمة في الجرائم والانتهاكات التي وقعت في ليبيا، بحسب المكتب الإعلامي لبلدية مدينة ترهونة.

ووفقاً لعميد بلدية ترهونة محمد الكشر، فإن خان أبدى تعاطفاً كبيراً مع عائلات الضحايا، وأكد على استعداده لتقديم “كل العون لمكتب النائب العام الليبي، في إطار تحقيقه في ملف المقابر الجماعية”.

ونقل الكشر، في حديثه لـ”العربي الجديد”، عن المدعي العام بالمحكمة الجنائية الدولية، قوله إن “فاجعة المقابر الجماعية لم يُشهد مثلها في تاريخ الحروب”، مؤكداً على ضرورة الاستمرار في التحقيقات حولها.

وفي إطار لقاءاته بالمسؤولين الليبيين، التقى خان بالمدعي العسكري في طرابلس مسعود ارحومة، والمدعي العسكري في بنغازي فرج الصوصاع، لتبادل وجهات النظر حول العديد من القضايا العدلية المتصلة بملف حقوق الإنسان في ليبيا.

كما التقى خان رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي، ووزيرة العدل بحكومة الوحدة الوطنية حليمة عبد الرحمن، حيث تناولت اللقاءات الملفات المشتركة بين محكمة العدل الدولية والسلطات القضائية الليبية.

وفي آخر لقاءاته، التقى خان اللواء المتقاعد خليفة حفتر، أمس الثلاثاء، في مقره العسكري بالرجمة (شرقاً)، وفقاً للمكتب الإعلامي لقيادة مليشيات حفتر، دون إعطاء أي تفاصيل أخرى.

وتُتهم قوات تابعة لحفتر بالمسؤولية عن هذه المقابر الجماعية خلال سيطرتها على ترهونة، بين إبريل/نيسان 2019 ويونيو/حزيران 2020، وهو ما تنفي صحته.

ومنذ يونيو/حزيران 2020، تواصل الهيئة في ترهونة اكتشاف مقابر جماعية وفردية وانتشال جثث ورفات، أحدثها استخراج رفات 6 أشخاص مجهولي الهوية في 2 نوفمبر/تشرين الثاني الجاري.

ودعا مندوب ليبيا لدى الأمم المتحدة السفير طاهر السني، خلال جلسة لمجلس الأمن الدولي في 24 نوفمبر/تشرين الثاني 2021، المحكمة الجنائية الدولية (مقرها في مدينة لاهاي بهولندا)، إلى التعاون مع بلاده بشأن المقابر الجماعية في ترهونة.

وفي إحاطته الأخيرة التي قدمها إلى مجلس الأمن، في نوفمبر 2021، دعا خان “إلى إحداث نقلة نوعية وحوار جديد وبناء وحقبة جديدة من التواصل بين مكتب المدعي العام ومجلس الأمن، بهدف المضي قدماً في هدفنا المشترك المتمثل في تحقيق المساءلة في الوضع الليبي”.

وأكد خان، في الإحاطة ذاتها، على أولوية الوضع في ليبيا بالنسبة للمحكمة الدولية، ومواصلة مكتبه التحقيقات في الجرائم المرتكبة في ليبيا منذ عام 2011.
 
وأشار إلى أن عدم الاستقرار المستمر في ليبيا أثر على أنشطة المكتب، إذ إنه لم يكن قادراً على إجراء تحقيقات على الأراضي الليبية أو جمع الأدلة في الموقع.

وتعد قضايا تسليم عدد من المطلوبين من النظام السابق في ليبيا، بمن فيهم نجل العقيد الليبي الراحل معمر القذافي، سيف الإسلام، وصهر القذافي عبد الله السنوسي، من أبرز القضايا التي تعمل عليها المحكمة إلى جانب المقابر الجماعية.

المنفي يدعو إلى “لقاء جامع”

وفي الشأن الداخلي، دعا رئيس المجلس الرئاسي الليبي محمد المنفي، الأربعاء، إلى عقد “لقاء جامع” لكل الأطراف المعنية بالقضية الليبية، برعاية الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة، بهدف تيسير إجراء الانتخابات وتحقيق المصالحة الوطنية.

جاء ذلك خلال اجتماع في العاصمة طرابلس بين المنفي ومبعوث الأمم المتحدة ورئيس بعثتها في ليبيا عبد الله باتيلي، بحسب بيان للمكتب الإعلامي للمجلس الرئاسي.

وبحث المسؤولان الليبي والأممي، وفق البيان، “مستجدات الأوضاع السياسية في ليبيا، وسُبل دفع العملية السياسية”.

وأكد المنفي “ضرورة عقد لقاء جامع لكل الأطراف المعنية بالقضية الليبية، برعاية الاتحاد الأفريقي وبعثة الأمم المتحدة”، وأوضح أن هذا اللقاء يهدف إلى “الوصول إلى الانتخابات وتحقيق مشروع المصالحة الوطنية الذي يتبنّاه المجلس الرئاسي”.

وتعذّر إجراء انتخابات في 24 ديسمبر/كانون الأول 2021، جرّاء خلافات بين مؤسسات الدولة، لا سيما بشأن قانوني الانتخابات البرلمانية والرئاسية.

وأشاد باتيلي بـ”جهود رئيس المجلس الرئاسي في إنجاح مشروع المصالحة الوطنية، وتعاونه المتواصل مع الجهود الأممية والدول الداعمة لاستقرار ليبيا، من أجل إيجاد حلّ للأزمة السياسية”، وفق البيان.

وعلق على الاجتماع بقوله في تغريدة: “التقيت اليوم رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي، لمناقشة السبل الكفيلة بالإسراع في تنظيم الانتخابات”.

وشدد باتيلي على “أهمية الحوار”، وأفاد بأنه “حث المنفي على الاستفادة من تأثيره في تيسير التواصل بين الأطراف لتجاوز الانقسام السياسي”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *