انتخابات أميركا: تقدم جمهوري متواضع

لم يحقق الجمهوريون الموجة الحمراء التي تعهدوا بها (براندون سميالوفكسي/فرانس برس)

تحطمت الآمال، سريعاً، اليوم الأربعاء، لدى الحزب الجمهوري الأميركي، بتحقيق “الموجة الحمراء” التي وعد بها قبيل الانتخابات النصفية للكونغرس، التي أجريت أمس الثلاثاء، وحقّق الرئيس الأميركي الديمقراطي جو بايدن فيها أكثر مما كان يأمله، وأقلّ من الكارثة الانتخابية التي كانت تعد بها استطلاعات الرأي حزبه الديمقراطي.

وتوالى صدور النتائج اليوم، وقد شملت جميع مقاعد مجلس النواب (435) الذي باتت السيطرة الجمهورية عليه شبه محسومة بانتظار النتائج الرسمية لمعرفة العدد النهائي لمقاعد الحزبين، وثلث أعضاء مجلس الشيوخ (مائة مقعد) والذي لم يحسم حتى مساء اليوم لمن ستؤول السيطرة عليه، بالإضافة إلى حكّام 36 ولاية، وعدد كبير من المسؤولين المحليين. ومع صدور هذه النتائج تأكدت جملة أمور، من بينها أن حركة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب، والتي وجّه بايدن إليها سهامه خلال الحملة، لم تكن على قدر القوة التي حاولت عكسها خلال الحملات.

وجاءت خسارة مجلس النواب لصالح الجمهوريين، كما بيّنت النتائج الأولية، محدودة، وهي أقلّ الخسارات لحزب في السلطة منذ وقت طويل. وبدا كلّ ذلك انعكاساً لنجاح حملة الحزب الأزرق في التركيز على مسائل “ليبرالية وحقوقية”، صوّت لصالحها الليبراليون، والأقليات والنساء خصوصاً، وقلبت الموازين.

خدمت خلافات الجمهوريين وضعف بعض مرشحيهم الديمقراطيين

وفيما تعلّق الانتظار على 4 ولايات حاسمة لتحديد موازين القوى في مجلس الشيوخ، وهي أريزونا ونيفادا وويسكونسن وجورجيا، والتي لم تُحسم نتائجها بالكامل بعد، تبدو الأمور في الولايات المتحدة، متجهة إلى تعميق الانقسام، مع منافسة حادة حُسمت بفواصل الأرقام في بعض الولايات، فيما يحتاج الجمهوريون، الذين يبحثون عن “أي اسم” للمنافسة في رئاسيات 2024، إلى المراجعة الداخلية مجدداً.

بايدن يتحدى التوقعات

وتحدّى الرئيس الأميركي جو بايدن، الذي يبلغ من العمر 80 عاماً هذا الشهر، وأعلن من قبل رغبته في الترشح مجدداً للرئاسة بعد عامين، استطلاعات الرأي، ووجد نفسه في موضع مريح نسبياً مقارنة بتدني شعبيته، إذ تمكن حزبه من تحشيد أنصاره لمشاركة كثيفة تحققت في الانتخابات، ما ساهم في الحدّ من خسارته في المجلسين، والتي توقعتها الاستطلاعات. ساعد في ذلك التحذير الديمقراطي الواسع من حركة “ماغا”، أو “جعل أميركا عظيمة مجدداً”، التي يقودها ترامب، والتي يصفها بايدن بـ”ميغا ماغا التي ستقود البلاد إلى التطرف”، علماً أنه لم يتوقف عن ترداد أن هذه الحركة، هي ما أصبح عليه الحزب الجمهوري اليوم.

ومع فشل عدد من المرشحين الذين كان دعمهم ترامب بانتخابات أمس، يأمل متابعون أن يتمكن بايدن من الوصول إلى عدد من التفاهمات مع الكونغرس المقبل، الذي يتسلّم مهامه رسمياً بداية 2023، لتنفيذ عدد من بنود أجندته. لكن ذلك لا يعني أن الطريق ستكون معبّدة للديمقراطيين، إذ إن النواب الجمهوريين الذين فازوا، هم أيضاً من أمثال مارجوري تايلور غرين من جورجيا، وتيم جوردان من أوهايو، المؤمنين بنظريات المؤامرة، وبـ”سرقة انتخابات 2020″، وسيكون لهم تأثير كبير من اليوم فصاعداً على قرارات المحافظين.

كما أن عدداً من أعضاء مجلس الشيوخ أو المرشحين للمرة الأولى، الموالين لترامب، أو الذين دعمهم الأخير، فازوا في الاقتراع. غير أن الرئيس السابق خسر أيضاً رهانه على بعض الأسماء، بينما فاز مرشحون جمهوريون يكّن لهم العداء، مثل حاكم فلوريدا رون دي سانتيس، وحاكم جورجيا بريان كامب (بمنافسة الناشطة الديمقراطية ستايسي أبرامز)، وحتى سكرتير جورجيا براد رافينسبيرغر، الذي صادق في 2020 على نتائج انتخابات الرئاسة في الولاية، متحدياً ترامب.

وإذ تميل النتائج للحديث عن تراجع محدود للديمقراطيين و”مويجة” حمراء للجمهوريين، كما احتفل بها الحزب الأزرق (الديمقراطي)، اليوم، ينتظر الأميركيون أي دخان سيتصاعد الثلاثاء المقبل، من مارآلاغو، مقر إقامة ترامب في فلوريدا، وما إذا كان الإعلان الذي يعد به، رغم النتائج المخيّبة له شخصياً، هو عزمه الترشح مجدداً للرئاسة في 2024.

فوز دي سانتيس… ضربة لترامب

وعلى مقربة من مارآلاغو، احتفظ دي سانتيس، بحاكمية فلوريدا، بفارق 20 نقطة مئوية، عن منافسه الديمقراطي شارلي كريست. ودي سانتيس اسم يتردد صداه كمرشح محتمل للرئاسيات الأميركية المقبلة عن الحزب الجمهوري، وكان ترامب وجّه إليه تحذيراً، وإلى أسماء أخرى من الحزب، أول من أمس الإثنين، عبر شبكة “فوكس نيوز”، لعدم الترشح للرئاسيات، كما دعا إلى تغيير قيادة الحزب في الكونغرس، في إشارة إلى زعيم الأقلية في الشيوخ ميتش ماكونيل.

ويتوعد ترامب بفتح ملف فضائح بحق حاكم فلوريدا البالغ من العمر 44 عاماً. من جهته، وفي خطاب هجومي ضد الديمقراطيين إثر فوزه، عبّر دي سانتيس عن ارتياحه لجعله هذه الولاية الجنوبية التي تميل أحياناً إلى اليسار وأحياناً إلى اليمين، “أرض ميعاد” للجمهوريين، مؤكداً أن “المعركة بدأت للتو”.

خسارات وانتصارات

وحقّق المعسكر الديمقراطي في انتخابات أمس، انتصارات مهمة أيضاً. فقد انتزع من المحافظين منصبي حاكمين: في ميريلاند، وماساتشوستس حيث أصبحت مورا هيلي أول مثلية تتولى هذا المنصب. وقد اتصل بها بايدن على الفور لتهنئتها. ونجح حزب الرئيس أيضاً في الاحتفاظ بالسيطرة على ولاية نيويورك، حيث كانت المعركة محتدمة بين الحاكمة كايثي هوشول والجمهوري لي زيلدين.

ولم يقل معسكر بايدن كلمته الأخيرة أيضاً في ولاية أريزونا، حيث ظلّت الديمقراطية كايثي هوبز متقدمة على المرشح الجمهوري لحاكمية الولاية، كاري لايك، بواقع 50.33 مقابل 49.67 في المائة، بعد فرز 60 في المائة من الأصوات، بحسب آخر إحصاء لـ”نيويورك تايمز”، عصر اليوم.

وخدمت هذه الخلافات، ربما، بالإضافة إلى “ضعف” بعض المرشحين الجمهوريين، الحزب الديمقراطي، للحدّ من خساراته في الانتخابات النصفية. ولتوضيح الصورة، فقد خسر مثلاً ترامب، في منتصف ولايته الأولى والوحيدة، 40 نائباً جمهورياً، في الانتخابات النصفية في 2018.

نتائج 4 ولايات ستحسم لمن ستؤول السيطرة على مجلس الشيوخ

لكن خسارة الديمقراطيين جاءت أقل، بينما أكد زعيم الأقلية الجمهورية في مجلس النواب، صباح اليوم، أن حزبه سيكون الأكثرية في المجلس، و(رئيسة مجلس النواب الديمقراطية الحالية) نانسي بيلوسي، ستكون في الأقلية”. لكن بيلوسي أكدت من جهتها، أنه “من الواضح أن النواب الديمقراطيين المرشحين تخطوا التوقعات على طول البلاد”.

وبحسب توقعات شبكة “أن بي سي”، عصر اليوم، فإن الجمهوريين قد يحصلون في النهاية على 220 مقعداً في مجلس النواب، مقابل 215 للديمقراطيين، أي بتقدم بحدود 5 نواب، بعدما كانت التوقعات تشير إلى إمكانية أن يتخطوا منافسيهم بـ20 أو 30 نائباً إضافياً. وحتى عصراليوم، أكدت الأرقام، بحسب شبكة “سي أن أن”، فوز الديمقراطيين، بـ179 مقعداً، مقابل 201 للجمهوريين، مع تواصل صدور النتائج. وقال السيناتور الجمهوري المؤثر ليندسي غراهام، وهو صديق لترامب، لشبكة “أن بي سي”، إن “الأمر ليس بالتأكيد مدّاً جمهورياً. هذا أمر مؤكد”.

حسم مجلس الشيوخ ينتظر 4 ولايات

على مقلب مجلس الشيوخ، جاءت الانتكاسة الأولى للجمهوريين، صباح اليوم، مبكراً، مع تمكن الديمقراطي جون فيترمان، من التغلب على منافسه الجمهوري المقرب من ترامب، محمد أوز، وانتزاع مقعد في الشيوخ عن ولاية بنسلفانيا، إحدى الولايات التي من شأنها حسم وجهة المجلس المقبلة، بعدما كان الحزبان يتقاسمانه بالتعادل، ويرجحّ الكفة لصالح الديمقراطيين، صوت نائبة الرئيس كامالا هاريس. وكان هذا الفوز، الذي جاء مبكراً، قد غذّى التكهنات لدى الديمقراطيين بأن “المدّ” المحافظ في مجلس النواب، سيكون محدوداً أيضاً.

في المقابل، تمكن جاي دي فانس، أحد مؤيدي ترامب، من أن يصبح سيناتوراً عن ولاية أوهايو أحد المعاقل الصناعية والزراعية في الولايات المتحدة (مقابل هزيمة مرشح الديمقراطيين تيم رايان)، وهي كانت من الولايات الحاسمة، لتصبح السيطرة على مجلس الشيوخ بحلول عصر اليوم، تنتظر أربعة مقاعد: أريزونا، جورجيا، نيفادا، وويسكونسون، بعدما تعادل الحزبان، بـ48 سيناتوراً لكل منهما.

وقالت بعض وكالات الأنباء ووسائل الإعلام الأميركية، إن عدّ الأصوات في هذه الولايات قد يستغرق أياماً عدة، وإن ولاية جورجيا قد تتجه إلى انتخابات إعادة في ديسمبر/كانون الثاني المقبل. وبدت النتائج الأولية في هذه الولايات، اليوم، متقاربة جداً: ففي ولاية نيفادا، تقدم بحسب شبكة “أن بي سي”، المرشح الجمهوري للشيوخ آدام لاكسالت، على منافسته الديمقراطية كاثرين كورتيز ماستو، بواقع 49.9 في المائة، مقابل 47.2 في المائة. وفي أريزونا، حقّق بحسب الأوراق التي تمّ فرزها حتى عصر اليوم، المرشح الديمقراطي مارك كيلي، تقدماً على منافسه الجمهوري بلايك ماسترز (51.9 مقابل 45.9). وفي جورجيا، ظلّ الديمقراطي رافايل وارنوك متقدماً على الجمهوري هيرسيل والكر (49.2 مقابل 48.7)، وفي ويسكونسن، تقدّم الجمهوري رون جونسون على الديمقراطي مانديلا بارنز (50.5 مقابل 49.3). ويعني ذلك، إمكانية بقاء الحزبين على تعادلهما الحالي.

ووجّه هذا التفاؤل الديمقراطي، ضربة قوية لجهود الرئيس السابق دونالد ترامب، الذي كان قد انخرط بجدّ في حملة الانتخابات النصفية، متعهداً بـ”مدّ أحمر”، ومعولاً على نجاح الأسماء التي دعمها لخوض سباق الرئاسة المقبل. ولم يتراجع ترامب، في العلن، ليل الثلاثاء – الأربعاء، عن تفاؤله، إذ أكد للإعلاميين من مارآلاغو، أن الجمهوريين عاشوا “ليلة خارقة” للانتخابات، متهماً الديمقراطيين ووسائل الإعلام “الإخبارية الزائفة”، ببذل كل ما في وسعهم لتقليل أهمية نجاح مناصريه. لكن مستشاراً لترامب، رفض الكشف عن اسمه، أكد لشبكة “سي أن أن”، اليوم، أن الرئيس السابق “غاضب جدّا”ً، وظلّ “يصرخ في وجه الجميع” بعد صدور النتائج.

رغم ذلك، لا يزال الرئيس الأميركي جو بايدن، بعد نتائج الانتخابات النصفية، يقترب من مرحلة حساسة، وسط تساؤلات حول قدرته على تحقيق توافق مع الجمهوريين، في الكونغرس، والذين يتوعد بعضهم بفتح تحقيقات بحقّه، وبحقّ نجله هانتر، فيما تتعمق الانقسامات الحزبية أكثر في البلاد. ومن الممكن لبايدن، حتى مع الاختراقات المتواضعة للجمهوريين، أن يواجه شللاً برلمانياً طويلاً مع صراعات لا نهاية لها حول مشاريع قوانين تولد ميتة، فيما سيكون عليه تمرير بعض القوانين المستعجلة قبل تسلّم الكونغرس الجديد مهامه العام المقبل. وإذا نال الحزب الجمهوري غالبية في مجلس النواب، فستكون لديه أيضاً وسائل ضغط في الموازنة، ويمكن أن يلوح بتهديد “إغلاق”، وشلل الإدارات الفيدرالية، أو حتى تخلف عن الدفع من قبل أكبر قوة عالمية.

كما يبقى أيضاً معرفة إلى أي حدّ سيبقى حزب المحافظين الذي وعد باستراتيجية برلمانية متشددة، على هذا الخط، فيما أثبتت النتائج “انقلاباً”ً نسوياً بعدما اتخذ الحزب موقفاً متشدداً من حق الإجهاض، و”مدّا”ً للأقليات لصالح الديمقراطيين، الذين يواصلون الاستفادة من المتغيرات الديمغرافية في بعض الولايات.

وفي ولايات عدة، خسر عدد من المرشحين لمناصب حكومية محلية، ترتبط بمراقبة الانتخابات والمصادقة على نتائجها، هم من المشككين بالنظام الانتخابي، أو الذين يعتبرون من مجموعة “رافضي الانتخابات”، أي رافضي نتائج انتخابات الرئاسة في 2020، والمشككين في نزاهتها، في ضربة أيضاً للجمهوريين، وجهودهم لتقييد حقوق التصويت. فضلاً عن ذلك، فإن عدداً من الولايات، صوّت مواطنوها أمس، على تأييدهم لحق الإجهاض، ولقوانين أخرى، ليبرالية.

(العربي الجديد، فرانس برس، رويترز، أسوشييتد برس)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *