المتدين سناء: مــوقف الــفقه والــقضاء مــن البنوة غــير الشرعية

المتدين سناء: مــوقف الــفقه والــقضاء مــن البنوة غــير الشرعية

المتدين سناء باحثة في العلوم القانونية

يعتبر الفقه الإسلامي مصدرا من مصادر القانون المغربي على اختلاف درجة حضور هذا الفقه في القوانين المغربية من فرع لآخر، كمصدر ثالث بعد التشريع والعرف، أو اعتباره مصدرا احتياطيا لتلك القوانين.

إلا أن هناك قوانين مغربية مستمدة مباشرة من الفقه الإسلامي على رأسها مدونة الأسرة،  التي لم تجد حرجا في الأخذ بأي اجتهاد يحقق العدل والمصلحة وإن كان خارج المذهب.

وقد ترك للقضاة تكييف النوازل واختيار الأقرب إلى تحقيق هذه المقاصد، خاصة وأن المشرع المغربي أعطى للقضاء دور تفعيل مقتضيات مدونة الأسرة، وجعلها تتلاءم مع الأهداف المتوخاة منها، بل ووضع عبئا كبيرا على عاتق القضاة، يتمثل أساسا في حماية مصلحة الطفل، الأمر الذي يتطلب وجود قضاء فعال وعصري متشبع بثقافة حقوق الإنسان وحقوق الطفل خاصة.

فهل الاجتهاد الفقهي المعمول به في مدونة الأسرة في مجال النسب مبني على مبدأ المساواة؟ وهل هناك قابلية للتطور على أساس الاجتهاد الفقهي بما يخدم مصلحة الطفل؟ وما دور العمل القضائي في مجال النسب؟

هذا ما سنحاول الإجابة عنه من خلال هذه الورقة البحثية و ذلك وفق محورين:

  • المحور الأول: الموقف الفقهي من البنوة غير الشرعية
  • المحور الثاني: موقف القضاء المغربي من البنوة غير الشرعية

المحور الأول: الموقف الفقهي من البنوة غير الشرعية

إن المادة الأسرية شكلت مادة خصبة لاختيارات المشرع من الفقه الإسلامي عموما، والفقه المالكي على وجه الخصوص، سواء كمصدر مادي  لمدونة الأسرة، أو كمصدر تكميلي فيما لم يرد به نص في المدونة (المادة 400)[1]، باعتبار أن الشريعة هي المصدر الأساسي لسن وصياغة القواعد القانونية لمدونة الأسرة، وفق أسلوب قانوني فقهي حديث[2].

وفيما يخص البنوة غير الشرعية، وحسب جمهور الفقهاء، فابن الزنا لا ينسب إلى أبيه، وهوالموقف الذي سارت عليه مدونة الأسرة من خلال المادة 142 حين نفت آثار البنوة غير الشرعية عن الأب الطبيعي أوالبيولوجي .

وقد اختلفوا في هذه المسألة على قولين مشهورين:

  • القول الأول : أن ابن الزنا لا ينسب إلى الزاني ولوادعاه واستلحقه به .

قال ابن قدامه المقدسي:”وَوَلَدُ الزنا لَا يَلْحَقُ الزَّانِيَ فِي قَوْلِ الْجُمْهُورِ”[3]، وهوقول جمهور العلماء من المذاهب الأربعة والظاهرية وغيرهم.

وبناء على هذا القول،فالمزداد خارج مؤسسة الزواج لا ينسب إلى أبيه الطبيعي، ولا يقال إنه ولده، وإنما ينسب إلى أمه، وهومحرَم لها ، ويرثها كبقية أبنائها،  واستدلوا على ذلك بقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ، وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ)[4]. ووجه الاستدلال: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يجعل ولداً لغير الفراش ، كما لم يجعل للعاهر سوى الحجر، وإلحاق ولد الزنا بالزاني إلحاق للولد بغير الفراش .

  • القول الثاني: أن الزاني إذا استلحق ولده من الزنا فإنه يلحق به، وهوقول عروة بن الزبير، وسليمان بن يسار، والحسن البصري، وابن سيرين، وإبراهيم النخعي، وإسحاق بن راهويه، كما نقله عنهم ابن قدامة[5]، ودليلهم في ذلك أن هذا الطفل متولد من مائه، فهوابنه قدراً وكوناً، ولا يوجد دليل شرعي صحيح صريح يمنع من إلحاق نسبه به[6].

وأما حديث: (الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ) فهو وارد في حال وجود الفراش، والمسألة في حال البنوة غير الشرعية عدم وجود الفراش.قال ابن تيمية: “فَإِذَا لَمْ تَكُنْ الْمَرْأَةُ فِرَاشًا: لَمْ يَتَنَاوَلْهُ الْحَدِيثُ”[7].

وقد نقل ابن القيم عن إسحاق بن راهويه أنه : “أُوَّلَ قَوْل النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ) عَلَى أَنَّهُ حَكَمَ بِذَلِكَ عِنْدَ تَنَازُعِ الزَّانِي وَصَاحِبِ الْفِرَاشِ” .[8]

وقد ذهب لهذا الاستنتاج ابن عثيمين عندما قال: “قول الرسول صلّى الله عليه وسلّم: (الولد للفراش وللعاهر الحجر) جملتان متلازمتان، فيما إذا كان عندنا فراش وعاهر”.وهذا يدل أن هناك رجلين، زان وصاحب فراش كل واحد منهما يدعي أن الولد له، صاحب الفراش يقول: هذا ولدي ولد على فراشي ، والزاني يقول: هذا ولدي خلق من مائي، فهنا يرى العلماء تغليب جانب الشرع كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: (الولد للفراش وللعاهر الحجر)[9].

أما إذا كان الزاني لا ينازعه أحد في ذلك، ولم يدّعِ أحدهذا الولد وقال الزاني: إنه ولدي فهوله”[10].

قال ابن القيم: “الْقِيَاسُ الصَّحِيحُ يَقْتَضِيهِ، فَإِنَّ الْأَبَ أَحَدُ الزَّانِيَيْنِ، وَهُوإِذَا كَانَ يُلْحَقُ بِأُمِّه، وَيُنْسَبُ إِلَيْهَا، وَتَرِثُهُ وَيَرِثُهَا، وَيَثْبُتُ النَّسَبُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَقَارِبِ أُمِّهِ مَعَ كَوْنِهَا زَنَتْ بِهِ، وَقَدْ وُجِدَ الْوَلَدُ مِنْ مَاءِ الزَّانِيَيْنِ، وَقَدِ اشْتَرَكَا فِيهِ، وَاتَّفَقَا عَلَى أَنَّهُ ابْنُهُمَا، فَمَا الْمَانِعُ مِنْ لُحُوقِهِ بِالْأَبِ إِذَا لَمْ يَدِّعِهِ غَيْرُهُ ؟  فَهَذَا مَحْضُ الْقِيَاسِ”[11]

وفي رأي ابن حنيفة إن الزنا لا يقوم إذا كانت الأم غير متزوجة، ويصح الاستلحاق ولومع تحقق الزنا فقد روي عنه قوله: “لا أرى بأسا إذا زنا الرجل بالمرأة فحملت منه أن يتزوجها مع حملها ويستر عليها والولد ولده”[12].

وحفاظاً على هذا النسب فقد منع الشرع الآباء من إنكار نسب الأولاد، وحرم على النساء نسبةَ ولد إلى غير أبيه الحقيقي، فعن أبي هريرة أنه سمع رسول الله حين نزلت آية الملاعنة قال: “أَيُّمَا امْرَأَةٍ أَدْخَلَتْ عَلَى قَوْمٍ رَجُلاً لَيْسَ مِنْهُمْ فَلَيْسَتْ مِنْ اللهِ فِي شَيْءٍ وَلا يُدْخِلُهَا اللهُ جَنَّتَهُ، وَأَيُّمَا رَجُلٍ جَحَدَ وَلَدَهُ وَهُو يَنْظُرُ إِلَيْهِ احْتَجَبَ اللهُ عز وجل مِنْهُ، وَفَضَحَهُ عَلَى رُؤُوسِ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ يَوْمَ الْقِيَامَة” [13].كما منع الشرع الأبناء من انتسابهم إلى غير آبائهم فقال رسول الله: “مَنْ ادَّعَى إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ وَهُو يَعْلَمُ فَالْجَنَّةُ عَلَيْهِ حَرَام” [14].

وبناء على هذا، نستنتج من خلال مواقف الفقهاء أنه متى كانت المرأة غير متزوجة فإن الولد يستلحق بالزاني وينسب له، على خلاف ما إذا كانت متزوجة، فينسب إلى صاحب الفراش أي الزوج[15].

فماذا عن موقف القضاء المغربي والمقارن من البنوة غير الشرعية؟

المحور الثاني: موقف القضاء المغربي من البنوة غير الشرعية

اعتبارا لكون السلطة القضائية هي الوجه الآخر لحقوق الإنسان المثبتة في المواثيق الدولية وفي التشريعات الوطنية، فإن القرارات والأحكام الصادرة عنها هي التي تبت الحركة في النصوص القانونية الجامدة. لأنها تدعم حقوق وحريات المواطنين المكفولة دستوريا، وتعتمد على تفسير النصوص بما يحقق العدل والإنصاف والاستقرار داخل المجتمع.

وللاجتهاد القضائي دور هام في تطور مجال إثبات النسب، على أساس أن العدالة لا توجد فقط في النص التشريعي أو الشرعي بل يمكن للقضاء أن يسهم فيها عن طريق الاجتهاد[16].

وهكذا اختلفت أحكام القضاء بالمغرب فيما يخص إثبات نسبالطفل الذي ولد خارج إطار الزواج، وفقًا لتكوين القاضي وتجربته، ومدى تشبعه بثقافة حقوق الإنسان.

وبخصوص البنوة غير الشرعية، وتأسيا على المادة 148 من مدونة الأسرة ” لا يترتب على البنوة غير الشرعية بالنسبة للأب أي أثر من آثار البنوة الشرعية“، أوردت محكمة النقض، في قرار لها تحت عدد 574 صادر بتاريخ 14/11/2007 في الملف عدد 465/2006، جاء في حيثياته: “والمحكمة لما ناقشت الوثائق المستدل بها من طرف الطالبة،في إطار سلطتها التقديرية، وثبت لها أن الابن المذكور نتج عن علاقة غير شرعية،وذلك بإقرار الطالبة والمطلوب أمام ضابط الحالة المدنية، وأن الابن المذكور غير شرعي، ورتبت على ذلك انتفاء نسب الابن المذكور عن المطلوب، فإنها تكون قد عللت قرارها تعليلا كافيا“.

فما دام أن النفقة والنسب هما من موجبات البنوة الشرعية فلا مجال للحكم بهما في هذه النازلة، لكون الابن ناتج عن علاقة سفاح اختل معها شرط الفراش، وهوأحد أسباب ثبوت النسب، وبناء على ذلك فلا موجب للحكم بالنفقة التي هي من آثار الحكم بالنسب لا البنوة”[17].

وعموما فالمحاكم المغربية درجت على رفض إثبات البنوة الناتجة عن الحمل خارج مؤسسة الزواج مستندة على الموقف الفقهي المستند على الحديث، وعلى ما جاءت به المادة 148 في مختلف محاكم الأسرة بالمملكة.

غير أن محكمة الأسرة بطنجة أصدرت حكما غير مسبوق، اعتبر بمثابة ثورة على ما سارت عليه المحاكم المغربية ، حيث  قضت بالاعتراف بالبنوة غير الشرعية للأب مع ترتيب تعويض عن الضرر. وقد وضع الحكمعدد 320 في الملف عدد 1391/1620/2016، الصادر بتاريخ 30/01/2017، حدا لاجتهاد قضائي ترسخ على مدى أزيد من 60 سنة مند صدور مدونة الأحوال الشخصية بالمغرب، الذي كان يقضي بعدم قبولالاعتراف بنسب الأطفال المولودين خارج إطار مؤسسة الزواج، وإعفاء آبائهم من أي التزامات تجاههم لأنهم أبناء غير شرعيين يلحقون بنسب أمهاتهم.

فماذا عن موقف المحكمة من البنوة غير الشرعية؟

وما هي الحيثيات التي اعتمدت عليها لتعليل قرارها؟

أولا: اجتهاد محكمة الأسرة بطنجة

إن ما ميز حكم محكمة الأسرة بطنجة وجعله سابقة في تاريخ القضاء الأسري، هوقضاؤه بثبوت بنوة طفلة من أبيها البيولوجي، وتعويض لفائدة أمها المدعية، وأيضا بتعويض للأم بدلا عن النفقة للابنة.

وقد تقدمت امرأة بدعوى أمام قسم قضاء الأسرة بطنجة أواخر سنة 2016 ، تعرض فيها بأنها أنجبت بنتا من المدعى عليه، خارج إطار الزواج، ورفض الاعتراف بها، رغم أن الخبرة الطبية أثبتت نسبها إليه، ملتمسة من المحكمة الحكم ببنوة البنت لأبيها، وأدائه لنفقتها مند تاريخ ولادتها.

وأجاب المدعى عليه بكون طلب المدعية غير مؤسس قانونا، على اعتبار الخبرة الطبية المدلى بها في الملف، وإن أثبتت العلاقة البيولوجية بينه وبين البنت، فإنها لا تثبت العلاقة الشرعية، وبأن النسب في مدونة الأسرة يثبت بالزواج الشرعي، وبأن البنوة غير الشرعية ملغاة للأب، ولا يترتب عنها أي أثر.

وقد أدلى بحكم قضى بإدانته من أجل جنحة الفساد (علاقة جنسية خارج الزواج) طبقا للفصل 490 من القانون الجنائي،[18] ملتمسا رفض الطلب.

وبتاريخ30  يناير2017 أصدرت المحكمة الابتدائية بطنجة (قسم قضاء الأسرة) حكمها، معتمدة على حيثيات غير مسبوقة، ومعللة قرارها بنصوص من اتفاقيات دولية، ومن دستور المملكة، حيث جاء في حكمها[19]:

  • بالنسبة للاتفاقيات الدولية: حيث يؤخذ من الفقرة الأولى من المادة الثانية من اتفاقية حقوق الطفل التي صادق عليها المغرب بتاريخ 21/6/1993، أن القضاء يتوجب عليه إيلاء الاعتبار الأول لمصالح الأطفال الفضلى عند النظر في النزاعات المتعلقة بهم.[20]

كما تنص المادة 7 من نفس الاتفاقية على أن الطفل يسجل بعد ولادته فورا ويكون له قدر الإمكان الحق في معرفة والديه وتلقي رعايتهما.[21]

وتنص الاتفاقية الأوروبية بشان حماية حقوق الطفل الموقعة بستراسبورغ بتاريخ 25/1/1996 والتي صادق عليها المغرب بتاريخ 27/3/2014، في الفقرة الأولى من المادة السادسة على ما يلي:

” في الإجراءات التي تشمل الطفل – تقوم السلطة القضائية – قبل اتخاذ القرار بدراسة هل لديها معلومات كافية تحت يدها من أجل اتخاذ قرار في صالح الطفل، وعند الضرورة – الحصول على معلومات إضافية”.

وتنص المادة السابعة من نفس الاتفاقية والمتعلقة بواجب العمل بسرعة على أن ” في الإجراءات التي تشمل الطفل، تعمل السلطة القضائية بسرعة لتجنب أي تأخير غير لازم، وتكون الإجراءات مناسبة لضمان تنفيذها على وجه السرعة، وفي الحالات العاجلة تكون للسلطة القضائية الصلاحية، متى كان ذلك مناسباً، لاتخاذ القرارات التي تنفذ على الفور”.

  • بالنسبة للدستور:

تنص الفقرة الثالثة من المادة 32 من دستور 2011 على أن: “الدولة تسعى لتوفير الحماية القانونية والاعتبار الاجتماعي والمعنوي لجميع الأطفال بكيفية متساوية بصرف النظر عن وضعهم العائلي”.

وانطلاقا من هذه النصوص، قضت المحكمة:

1.الاعتراف بالبنوة من دون النسب

قضت المحكمة بثبوت البنوة بين الطفلة وبين المدعى عليه اعتمادا على نتائج الخبرة الطبية التي أثبتت العلاقة البيولوجية بينهما، مميزة في هذا الصدد بين البنوة والنسب الذي لا يؤخذ به وبمفاعيله إلا في حال البنوة الشرعية.

2.التعويض للأم بدلا عن النفقة للابنة

وقد رفضت المحكمة طلب المدعية بإلزام المدعى عليه بتحمل نفقة البنت، وعللت المحكمة قرارها بكون النفقة من آثار النسب الشرعي. لكنها وفي أول سابقة لجأت إلى إعمال قواعد المسؤولية التقصيرية[22] لتلزم الأب البيولوجي بدفع تعويض للمدعية، نتيجة مساهمته في إنجاب طفلة خارج إطار مؤسسة الزواج.

فالتوجه الذي سارت إليه المحكمة يؤيدها فيه الدليل العملي الذي أنجزته وزارة العدل لتقريب المفاهيم وتوحيد التطبيق السليم لمقتضيات مدونة الأسرة والذي أقر ” إمكانية الرجوع إلى تطبيق القواعد العامة في باب تعويض الضرر الصادر عن الشخص الذي كان السبب في ولادة خارج الإطار المسموح به قانونا“[23].

وقد جاء في حكم المحكمة:

“حيث يؤخذ من الحكم الجنحي عدد 4345 بتاريخ 2016/03/16 في الملف 278/16/2012 الصادر عن هذه المحكمة أن المدعى عليه توبع من أجل جنحة الفساد، وأدين بشهر واحد موقوف التنفيذ، وهوالحكم الذي أصبح نهائيا بعد تأييده استئنافيا.

وحيث لما ثبتت المسؤولية الجنائية للمدعى عليه بارتكابه للفعل الجرمي المذكور والذي نتج عنه ولادة الطفلة تكون العناصر القانونية لقيام المسؤولية المدنية ثابتة في نازلة الحال، وفقا لما ينص عليه الفصل 77 من قانون الالتزامات والعقود الذي جاء فيه:” كل فعل ارتكبه الإنسان عن بينة واختيار ومن غير أن يسمح به القانون، وأحدث ضررا ماديا أومعنويا للغير، ألزم مرتكبه بتعويض عن الضرر، إذا ثبت أن ذلك الفعل هوالسبب المباشر في حصول الضرر”.

وهكذا ارتأت المحكمة بعد ثبوت علاقة البنوة بين البنت والمدعى عليه، وما يستلزمه ذلك من رعايتها والقيام بشؤونها ماديا ومعنويا والحفاظ على مصالحها كمحضونة، وما يتطلبه ذلك من مصاريف أن تمنح المدعية تعويضا يحدد في مائة ألف درهم”.

وهكذا نكون أمام حكم مسبوق ، حيث التجأت الهيئة القضائية في الحكم بالتعويض، وإلى إعمال قواعد المسؤولية التقصيرية لتلزم الأب البيولوجي بدفع تعويض للمدعية نتيجة مساهمته في إنجاب طفلة خارج إطار مؤسسة الزواج.[24]

غير أن حكم محكمة الاستئناف أبطل الحكم الصادر عن المحكمة الابتدائية بطنجة، وبالتالي ألغي الحكم، وصدر قرار بتحمل الأم المدعية مصاريف المحكمة في الدرجتين، وهوالأمر الذي دفعها إلى نقل الملف إلى الدرجة الثالثة في التقاضي، وهي محكمة النقض.

حيث ارتأت الهيئة القضائية بمحكمة الاستئناف، بتاريخ 09/10/2017، أن الحكم الابتدائي المطعون فيه وإن قضى بثبوت بنوة البنت للمشتكى به طبيعياً، فإن عدم حملها لاسمه العائلي واسمه الشخصي في رسم الولادة ودون أن تحظى برعايته مادياً ومعنوياً كتلك التي يقرها القانون للأبناء الشرعيين يجعل الحكم الابتدائي كالمعدوم”[25].

وجاء في حيثيات هذا القرار أن:

” المشرع لو أراد أن يثبت الابن البيولوجي لمن تنصل منه لنص على ذلك صراحةً ولرتب آثاراً على البنوة البيولوجية أسوة بالبنوة الشرعية”، وأضاف القرار: “فضلاً عن ذلك، فإنه لما ثبت بأن العلاقة بين الطرفين كانت علاقة فساد (زنا)، فإنه من المعلوم فقهاً وقانوناً أن ابن الزنا لا يلحق بالفاعل ولوثبت بيولوجياً أنه تخلق من نطفته”.

وأضاف الحكم أن “هذه الأخيرة لا يترتب عنها أثر يذكر ولا تحتاج إلى إثباتها، ويكون الحكم المطعون فيه لما قضى بثبوت بنوة البنت للطاعن غير مرتكز على أساس، مما تقرر معه إلغاؤه“.

كما اعتبرت المحكمة أن ” الحكم بالتعويض للأم لا يتوفر على عناصر التعويض لأن الفعل غير مشروع وأن والدة الطفل طرف في هذا العمل“.

ثم إن البنت تعتبر أجنبية عن المستأنف عليه، أي الأب البيولوجي، وأن “البنوة غير الشرعية لا يترتب عنها أية آثار كما نصت عليها المادة 148 من مدونة الأسرة، والآثار شاملة ولا يمكن أن نقصرها على الآثار المؤسسة على النسب“.

وأكد الحكم أن كلمة ” آثار” يمكن أن تنصرف إلى غيرها، وأورد نصا لابن حزم الأندلسي في كتابه المحلي[26] في جزئه العاشر صفحة 302 يقول: ” ابن الزنا لا يلحق مطلقاً بأبيه فلا يترتب عن البنوة غير الشرعية أي أثر من آثار علاقة القرابة إطلاقاً، فلا يرث الابن أباه ولا يرثه هو، ولا له عليه حق الأبوة، لا في بر ولا في نفق ولا في تحريم ولا في غير ذلك وهو منه أجنبي”.

وخلص قرار محكمة الاستئناف إلى أن الحكم الابتدائي، الذي قضى ببنوة البنت لأبيها البيولوجي خارج مؤسسة الزواج، غير مصادف للصواب فيما قضى به من تعويض لفائدة البنت، لذلك تقرر إلغاؤه، وقضت بإلغائه وتحميل الأم المصاريف على الدرجتين[27].

ثانيا: تداعيات الحكم بين مؤيد ومعارض

لقد أثار هذا الحكم اختلافا متباينا بين المدافعين عن إلزام الأب البيولوجي بالتعويض لفائدة الابن الذي يولد خارج الزواج ، وبين من يرفضون ذلك ويعتبرون الطفل ” ابن زنا ” ولا يمكن أن يحظى بذلك.

وقد ذهب بعض الفقهاء المعاصرين من خلال قراءتهم لحكم الاستئناف أعلاه[28]، إلى اعتبار الجهاز القضائي ما زال حبيسا لقراءة فقهية قديمة متجاوزة ، ووليدة مرحلة لم تكن فيها وسائل علمية لإثبات النسب، حيث ما زالوا يستندون للحديث النبوي القائل “الولد للفراش وللعاهر الحجر“، ويستنبط من هذا الحديث أنه لا يمكن إثبات الأبوة إلا من خلال العلاقة الزوجية والتي يشار إليها بالفراش.

في حين أن تنزيل هذا الحديث في الواقع الذي نعيشه اليوم غير مجد، لأن آنذاك لم يكن من الممكن إثبات النسب إلا بإثبات الزوجية، أما اليوم فيجب أن يكون القانون متلائما مع التقدم العلمي للعصر.

ويضاف لذلك ما أثارته مؤخرا بسيمة الحقاوي، وزيرة الأسرة والتضامن، عن حزب العدالة والتنمية، حين دعت إلى استعمال اختبار الحمض النووي في إثبات الأبوة قائلة: ” أنا مع إثبات العلاقة الترابطية بين الفاعل والابن أي أن نستعمل الحمض النووي لكي نجد لكل ابن أباه”، معتبرة أن قبول علماء الشريعة للأمر أور فضه أمر خارج عن اختصاصها، كما أكدت جوابا على سؤال في مجلس النواب أن  ” هؤلاء الأطفال المهمشين يجب أن يتمتعوا بحقهم في التمدرس وإثبات الهوية وأن يتم تسجيلهم في الدفتر العائلي أسوة بباقي الأطفال ودون تمييز[29].

ومقابل هذا الرأي يقف رأي آخر[30]، يرى أن حكم المحكمة الابتدائية والذي نقضته محكمة الاستئناف ” لم يقم على الاستلحاق ( أي اعتراف الأب من الزنا بابنه من الزنا وإلحاقه بنسبه) وإنما قام على أساس الخبرة الطبية التي أثبتت أن الطفلة هي ابنة ذلك الرجل من الزنا”وأن حكم محكمة الاستئناف الذي نقض الحكم الابتدائي مرجعه إلى أحكام الشريعة الإسلامية التي تؤكد أن الولد للفراش، فإذا كانت العلاقة خارج مؤسسة الزواج فإن المولود ينسب إلى أمه فقط إلا إذا اعترف والده بنسبه عن طريق الاستلحاق الذي قال به مجموعة من العلماء كالحسن البصري،

وكما ذهب إلى ذلك بعض الحنفية وبعض الحنابلة ومنهم  ابن تيمية وابن القيم  حيث قال : ” إذا كان ولد الزنا ينسب لأمه (أحد الزانيين) عند جميع العلماء، فهو كذلك ينسب للزاني الآخر وهوأبوه من الزنا الذي استلحقه وأقر بأنه من مائه [31].


لائحة المراجع و المصادر

  • ابن القيم الجوزية، زاد المعاد في هدي خير العباد، الجزء 5، مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة 27، 1994.
  • ابن قدامة المقدسي،المغني لابن قدامة، مكتبة القاهرة، بدون طبعة،الجزء 9 ،1963
  • أحمد كافي، بحوث شرعية في المسائل المالكية، دار الكلمة، القاهرة، 2013.
  • الدليل العملي لمدونة الأسرة، منشورات جمعية نشر المعلومة القانونية والقضائية، سلسلة الشروح والدلائل، العدد 1، 2004، الطبعة الثانية، يناير 2006.
  • سفيان عبدلي، أيها القضاة ادعوهم لآبائهم، مجلة الفقه والقانون، عدد 35، 2015.
  • سنن للنسائي، تحقيق: عبد الفتاح أبوغدة، مكتب المطبوعات الإسلامية، حلب، الطبعة الثانية، 1406 – 1986.
  • سيد السقا،نقد الموروث الديني- ولد الزنا نموذجا-، منشورات إي، كتب لندن، 2010.
  • محمد بن صالح العثيمين، الشرح الممتع على زاد المستنقع، الجزء 12، دار ابن الجوزي، الطبعة الأولى، الرياض.
  • وسيم حسام الدين الأحمد، حماية حقوق الطفل في ضوء أحكام الشريعة الإسلامية والاتفاقيات الدولية ، الطبعة الأولى ، منشورات الحلبي الحقوقية ، بيروت ، لبنان ، 2009.
  • وهبة الزحيلي، الفقه الإسلامي وأدلته، الجزء السابع، دار الفكر، سوريا، 1985.
  • يوسف القرضاوي، من هدي الإسلام، فتاوى معاصرة، ج2، لبنان، الدار العربية للعلوم ناشرون، 1993.
  • عمر المزكلدي، مركز الفقه المالكي في مدونة الأسرة- دراسة في المصادر المادية للمدونة من خلال كتاب الزواج،أطروحة لنيل شهادة  الدكتوراه في القانون الخاص،جامعة عبد المالك السعدي طنجة، 2014.

الهوامش: 

(=) تم تحكيم هذا المقال من طرف اللجنة العلمية لمركز مغرب القانون للدراسات والأبحاث القانونية.

[1]عمر المزكلدي، مركز الفقه المالكي في مدونة الأسرة- دراسة في المصادر المادية للمدونة من خلال كتاب الزواج،أطروحة لنيل شهادة  الدكتوراه في القانون الخاص،2014،جامعة عبد المالك السعدي طنجة، ص،6.

[2] ديباجة مدونة الأسرة المغربية، ص 4

[3] ابن قدامة المقدسي،المغني لابن قدامة، مكتبة القاهرة، بدون طبعة،الجزء 9 ،1963، ص123.

[4] أخرجه البخاري في كتاب البيوع برقم 1912، ومسلم في كتاب الرضاع برقم 2645.

[5]كل هؤلاء من كبار أئمة المسلمين وعلماء الدين.

[6] سيد السقا،نقد الموروث الديني- ولد الزنا نموذجا-، منشورات إي، كتب لندن، 2010، ص: 86

[7] أحمد كافي،بحوث شرعية في المسائل المالكية، دار الكلمة، القاهرة، 2013، ص: 101.

[8] ابن القيم الجوزية، زاد المعاد في هدي خير العباد، الجزء 5، مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة 27، 1994،ص:381.

[9] محمد بن صالح العثيمين، الشرح الممتع على زاد المستنقع، الجزء 12، دار ابن الجوزي، الطبعة الأولى، الرياض، 1427ه ، ص 127.

[10]سيد السقا، نقد الموروث الديني: ولد الزنا نموذجا، مرجع سابق، ص 77.

[11]ابن القين الجوزية، زاد المعاذ في هدي خير العباد، مرجع سابق،ص 426.

[12] محمد بن صالح العثيمين، الشرح الممتع على زاد المستقنع، مرجع سابق، ص 129.

[13]سنن للنسائي، تحقيق: عبد الفتاح أبوغدة، مكتب المطبوعات الإسلامية، حلب،الطبعة الثانية، 1406 – 1986،ص: 560.

[14]المرجع نفسه، ص 565.

[15]سفيان عبدلي، أيها القضاة ادعوهم لآبائهم، مجلة الفقه والقانون، عدد 35، 2015، ص 10.

[16] الاجتهاد القضائي هومجموع القرارات الصادرة عن المحاكم، أوهومجموع الحلول التي تستنبطها المحاكم بمناسبة فصلها في المنازعات المعروضة عليها. راجع في ذلك: موسى عبود، الاجتهاد القضائي ودوره في النظام القضائي المغربي، مجلة المحاماة، عدد 3، 1969، ص:16.

[17] قرارصادر عن محكمة النقض منشور ب ” أهم قرارات المجلس الأعلى في تطبيق الكتاب الثالث من مدونة الأسرة “، الطبعة الأولى سنة 2010، مطبعة الأمنية، الرباط، ص 34 وما بعدها.

[18] ينص الفصل 490 من القانون الجنائي المغربي على أن “كل علاقة جنسية بين رجل وامرأة لا تربط بينهما علاقة الزوجية تكون جريمة الفساد ويُعاقب عليها بالحبس من شهر واحد إلى سنة “.

[19] انظر نص الحكم بالملحق ص:….

[20] المادة 2 من اتفاقية حقوق الطفل :”تحترم الدول الأطراف الحقوق الموضحة في هذه الاتفاقية وتضمنها لكل طفل يخضع لولايتها دون أي نوع من أنواع التمييز، بغض النظر عن عنصر الطفل أووالديه أوالوصي القانوني عليه أولونهم أوجنسهم أولغتهم أودينهم أورأيهم السياسي أوغيره أوأصلهم القومي أوالإثني أوالاجتماعي، أوثروتهم، أوعجزهم، أومولدهم، أوأي وضع آخر.”

[21] المادة 7: ” 1. يسجل الطفل بعد ولادته فورا ويكون له الحق منذ ولادته في اسم والحق في اكتساب جنسية، ويكون له قدر الإمكان، الحق في معرفة والديه وتلقى رعايتهما

  1. تكفل الدول الأطراف إعمال هذه الحقوق وفقا لقانونها الوطني والتزاماتها بموجب الصكوك الدولية المتصلة بهذا الميدان، ولاسيما حيثما يعتبر الطفل عديم الجنسية في حال عدم القيام بذلك.”

[22] يقصد بالمسؤولية عند إطلاق هذا المصطلح تحمل الشخص لنتائج  وعواقب التقصير الصادر عنه أوعمن يتولى رقابته والإشراف عليه، أما في القانون المدني ، فتعني المؤاخذة عن الأخطاء التي تضر بالغير وذلك بإلزام المخطئ بأداء التعويض للطرف المتضرر وفقا للطريقة والحجم الذين يحددهما القانون ، ويجب توافر 3 عناصر لقيام المسؤولية عن الفعل الشخصي ، وهي : 1- الخطأ 2- الضرر 3-العلاقة السببية بينهما.

[23] الدليل العملي لمدونة الأسرة، منشورات جمعية نشر المعلومة القانونية والقضائية، سلسلة الشروح والدلائل، العدد 1، 2004، الطبعة الثانية، يناير 2006، ص 97.

[24]  أنظر حكم المحكمة الابتدائية بمراكش الصادر بتاريخ 30/10/2017 بالملحق ص: 386،  بخصوص تحمل الأب البيولوجي مسؤولية الإنفاق على ابنه الناتج عن حالة اغتصاب إلى أن يبلغ سن الرشد و ذلك في إطار المسؤلية المدنية

[25] أنظر نص الحكم الكامل بالملحق ص:373.

[26] أبومحمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم بن غالب بن صالح بن خلف بن معدان بن سفيان بن يزيد الأندلسي القرطبي  يعد من أكبر علماء الأندلس وأكبر علماء الإسلام تصنيفًا وتأليفًا بعد الطبري، وهوإمام حافظ. فقيه ظاهري، ومجدد القول به، بل محيي المذهب بعد زواله في الشرق. ومتكلم وأديب وشاعر ونسابة وعالم برجال الحديث وناقد محلل بل وصفه البعض بالفيلسوف. ويعتبر كتاب المحلى في شرح المجلى بالحجج من أهم كتبه ، وقد شهر به وأعتبر بذلك ناشر المذهب الظاهري. والكتاب ثروة فقهية وموسوعة جامعة في الفقه المقارن حوت ما يعادل 2312 مسألة بدأها المؤلف بالعقائد وأنهاها بمسائل التعزير، واستعرض ابن حزم خلالها آراء الفقهاء والمجتهدين جميعا قبل أن ينقض عليهم مبديا رأيه.

[27] وبتاريخ 25/05/2017 أصدرت المحكمة الابتدائية بزاكورة -جنوب المغرب- حكما يعد من بين الأحكام المبدئية مماثلا لحكم ابتدائية طنجة، حيث أقر مبدأ حق الطفل الطبيعي في انتسابه لأبيه لتجنيبه آثار الوصم الاجتماعي، إعمالا للاتفاقيات الدولية التي صادق عليها المغرب.

الحكم الجديد صدر بعد أشهر قليلة  من صدور الحكم عن محكمة طنجة ، أقر نفس المبدأ وفق نفس الحيثيات المستندة على عدد من الاتفاقيات الدولية. ويكتسي هذا الحكم الجديد أهمية كبيرة باعتباره يؤسس لبداية ميلاد اجتهاد قضائي جديد يعترف بحق الطفل الطبيعي في انتسابه لأبيه بغض النظر عن الحالة العائلية لوالديه، في تأويل جديد لنصوص مدونة الأسرة.

 اعتمدت المحكمة على نصّ المادة 142 من مدونة الأسرة في تحديدها لمفهوم البنوة باعتبارها النتيجة الطبيعية للتوالد الذي يكون ثمرة اتصال جنسي بين رجل وامرأة، إذ يكون الولد في هذه الحالة ابنا طبيعيا لطرفي العلاقة التي كانت سببا في وجوده، والتي يجب أن تتوافر فيها مجموعة من الشروط لتكون شرعية. وإذا انتفت تلك الشروط، اعتبرت غير شرعية.

كما اعتمدت المحكمة على الفقرة الثالثة من الفصل 32 من الدستور المغربي والتي تنص على أن الدولة تسعى لتوفير الحماية القانونية والاعتبار الاجتماعي والمعنوي لجميع الأطفال بكيفية متساوية بصرف النظر عن وضعيتهم العائلية. فضلا على تصدير الدستور والذي أشار بصريح النص إلى أن الاتفاقيات الدولية التي صادق عليها المغرب وفي نطاق أحكام الدستور وقوانين البلاد وهويتها الوطنية الراسخة تسموفور نشرها على التشريعات الوطنية.

من جهة أخرى، اعتمدت المحكمة على الاتفاقية المتعلقة بحقوق الطفل وعلى الاتفاقية الأوروبية بشأن ممارسة حقوق الأطفال الموقعة بستراسبوغ والتي صادق عليها المغرب بتاريخ 27/03/2014. فقد نصت المادة السابعة من الاتفاقية المذكورة على أنه “يسجل الطفل بعد ولادته فوراً ويكون له الحق منذ ولادته في أسم والحق في اكتساب جنسيته ويكون له قدر الإمكان الحق في معرفة والديه وتلقي رعايتهما”. كما نصّت المادة الثامنة من نفس الاتفاقية على أن الدول الأطراف في الاتفاقية “تتعهد بالحفاظ على هوية الطفل بما في ذلك جنسيته واسمه وصلاته العائلية على النحوالذي يقره القانون، وأنه إذا حرم أي طفل بطريقة غير شرعية من بعض أوكل عناصر هويته تقدم الدول الأطراف المساعدة والحماية المناسبتين من أجل الإسراع بإعادة إثبات هويته”.

وجاء قرار المحكمة كالتالي:

انطلاقا من الحيثيات السابقة المستمدة من نص الدستور ومن الاتفاقيات الدولية ومن مدونة الأسرة، اعتبرت المحكمة :”إن حماية الطفل ومصلحته الفضلى وفق ما جاء في الفصل 32 من الدستور المغربي وكذا الاتفاقية المشار إليها أعلاه يتطلب بالدرجة الأولى حقه في معرفة والده ومن تم هويته  بغض النظر إذا كان أبا طبيعيا له أوبيولوجيا لما في ذلك من تأثير إيجابي على تكوين شخصيته وتجنيبه آثار الوصم الاجتماعي.

وحيث إن الثابت من خلال تقرير الخبرة الجينية المدلى به بالملف أن المدعى عليه هوالأب البيولوجي للابن والذي لم يكن محل منازعة من طرف المدعى عليه، مما يكون معه الطلب مبنياً على أساس قانوني ويتعين الاستجابة له”.وعليه، قضت بثبوت بنوة الابن المولود بتاريخ 25-05-2005 لوالده البيولوجي.

[28]أمثال حمد الريسوني نائب رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين الذي أشاد بقرار المحكمة الابتدائية في طنجة حول ثبوت بنوة مولود من علاقة غير شرعية، وتداول  تصريح له في عدد من المواقع أفاد أنه سبق وعالج الموضوع قبل 25 سنة، حيث طرح “ولد الزنا لأبيه إذا أقر بزناه بأم المولود، وأن الولد منه”، مضيفا بأن “جمهور الفقهاء قديما، أثبتوا نسب “ولد الزنا لأمه دون أبيه، لأن بنوته لأمه معلومة قطعية، بخلاف نسبه للأب، ففيها ما فيها من شكوك وتنازع، فلذلك لا ينسب ولد الزنا للزاني”.

وأبرز الريسوني أنه وأمام إمكانية التحقق العلمي من نسب المولود في العصر الحالي، من خلال التحليلات الطبية اليقينية، ولأن “الزاني” في نازلة طنجة معترِف ومدان قضائيا بزناه، والخبرة الطبية أثبتت قطعا أنه هوأبوالمولودة موضوع الدعوى، فعلاقته بالمولودة خرجت من دائرة الشك ودخلت دائرة اليقين. واعتبر الريسوني أن حكم المحكمة بإثبات النسب في هذه الحالة “حكم صحيح سديد،  وكذلك لوحكموا بالنفقة للبنت، فهي مستحقة وتابعة ضرورة للحكم بثبوت النسب.”: كريمة المصلي، القضاء ينتصر لحق الطفل في النسب، جريدة الصباح، ملف الصباح، عدد 13 مارس 2017.https://assabah.ma/192522.html

[29] الجلسة الأسبوعية لمجلس النواب الاثنين 18 دجنبر 2017.

[30] الحسن بن إبراهيم السكنفل، أحد الدعاة المغاربة الذين زاولوا مهام الوعظ والإرشاد والخطابة وتأطير الحجاج، والجالية المقيمة بالخارج، واشتغل بالتعليم مدة طويلة، وهوالآن يشغل مهمة رئيس المجلس العلمي المحلي للصخيرات تمارة، وأستاذ في معهد تكوين الأئمة بالرباط، ويقدم مجموعة من البرامج التلفزيونية والإذاعية، نذكر منها برنامج في رحاب الإيمان، ومفردات من القرآن الكريم. وله مساهمات ومشاركات علمية ودعوية كثيرة.

[31] إثبات نسب الأطفال خارج مؤسسة الزواج يخلط الأوراق بين الإسلاميين والحداثيين، مقالة نشرت في الجريدة الالكترونية  العمق المغربي بتاريخ 21 – 01 – 2018، https://al3omk.com/264884.html


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *