هذا ما يجب معرفته عن عقد هبة أو صدقة في عقار

هذا ما يجب معرفته عن عقد هبة أو صدقة في عقار

نظَّم المشرع المغربي الهبة والصدقة بمقتضى القانون رقم 39.08 المتعلق بمدونة الحقوق العينية الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.11.178 الصادر في 22 نوفمبر 2011، وتحديدا في الباب الثاني من الكتاب الثاني منه، حيث خصص الفصل الثاني لعقد الهبة والفصل الثالث لعقد الصدقة.

يتجلى الفرق بين الهبة donation simple والصدقة donation aumônière وفقا لمدونة الحقوق العينية، في كون الهبة تعطى لوجه الموهوب له واعترافا بجميل أو معروف أسداه لفائدة الواهب، أما الصدقة فتعطى لقاء ثواب الله عز وجل، وتبعا لذلك، فإن الصدقة لا يمكن الاعتصار فيها أي الرجوع فيها، أما الهبة فيمكن اعتصارها أي الرجوع فيها بتوفر حالات وشروط محددة سنذكرها لاحقا.

ويعرف المشرع المغربي الهبة في المادة 273 من القانون 39.08 بكونها  تمليك عقار أو حق عيني عقاري لوجه الموهوب له في حياة الواهب بدون عوض.

الهبة والصدقة من التصرفات الناقلة للملكية بين الأحياء، وتقع على مال يملكه الواهب/المتصدق، وتكون دون عِوَض، أي دون مقابل سواء كانا نقديا أو غيره، وهذا هو ما يميز عقد الهبة والصدقة عن عقد البيع، والهبة والصدقة لا تتم بإرادة الواهب المنفردة أي بعقد يوقعه لوحده، بل لابد من قبول الهبة/الصدقة من طرف الموهوب له/المتصدق عليه.

يشترط المشرع المغربي لانعقاد الهبة أو الصدقة عدة شروط، ويمكن إجمالها فيما يلي:

بالإضافة الى الشروط المتطلبة في باقي العقود الأخرى من أهلية ومحل وسبب، فإنه، ونظرا لطبيعتها الخاصة، يجب أن تتوفر في الهبة والصدقة عدة شروط أخرى.

شرط الأهلية:

بالنسبة للواهب: يشترط لصحة الهبة أن يكون الواهب كامل الأهلية وقت إبرام الهبة أي أن يكون بالغا سن الرشد القانوني المحدد في ثمانية عشرة سنة شمسية كاملة، وليس محلا لأحد عوارض الأهلية كالجنون وفقدان العقل.

بالنسبة للموهوب له: بالنسبة للموهوب له أي المستفيد من الهبة فإنه ليس شرطا أن يكون بالغا سن الرشد القانوني، حيث يمكن أن تنعقد الهبة لجنين أو طفل لم يبلغ بعد سن الرشد القانوني. غير أنه في هذه الحالة فإن توقيع عقد الهبة لا يتم من طرف الطفل أو الجنين بل من طرف نائبه الشرعي وهو الأب أو الأم في حالة غياب الأب، وفي حالة عدم وجودهما فيقبل الهبة نيابة عنه المقدم الذي يعينه القاضي.

شرط امتلاك العقار وقت الهبة:

يشترط لانعقاد الهبة أو الصدقة في العقار، أن يكون الواهب مالكا للعقار وقت إبرام عقد الهبة، وتبعا لذلك فإن هبة عقار الغير بدون رضاه تقع باطلة، كما يقع باطلا هبة عقار سيمتلكه الواهب مستقبلا، كمن سيمتلك عقارا بعد وفاة مورثه.

تجدر الإشارة الى أن مالك العقار يمكن أن يهب العقار بأكمله أو جزءً منه، أو حقا عينيا، كهبة حق الرقبة والاحتفاظ بحق الانتفاع. كما يمكن أن يهب حقه المشاع الذي يملكه على الشياع رفقة شركاء آخرين.

يثبت الواهب امتلاكه للعقار عن طريق سند الملكية، وهو إما شهادة ملكية عقارية صادرة عن الوكالة الوطنية للمحافظة العقارية والمسح العقاري والخرائطية ANCFCC يشهد فيها المحافظ على الأملاك العقارية بأن الواهب يملك العقار المراد هبته، هذا عندما يكون العقار محفظا أو في طور التحفيظ، وإما بواسطة عقد شراء أو قسمة أو مبادلة عقارية أو باقي أسباب الملكية عندما يكون العقار غير محفظ.

شرط الإيجاب والقبول:

اشترط المشرع المغربي لانعقاد الهبة أو الصدقة الإيجاب والقبول. إذ يجب أن يحضر طرفا العقد: الواهب والموهوب له لدى محرره سواء كان موثقا أو عدلا. ويجور توكيل شخص أخر من طرف الواهب من أجل القيام بالهبة، أو من طرف الموهوب له من أجل قبول الهبة، أو قبولها من طرف نائبه الشرعي كما أسلفنا.

لابد من التذكير أن عقد الوكالة لهبة أو صدقة عقار أو لقبولها يجب أن يتم بواسطة محرر رسمي أي عقد يتلقاه الموثقون أو العدول أو المحامون المقبولون لدى محكمة النقض، حيث لم تعد العقود العرفية المحررة من طرف الكتاب العمومية أو الأطراف أنفسهم مقبولة وذلك بعد تعديل المادة 4 من القانون رقم 39.08 المتعلق بمدونة الحقوق العينية وذلك بمقتضى المادة الفريدة من القانون رقم 69.16 الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.17.50 بتاريخ 8 ذي الحجة 1438 (30 أغسطس 2017).

شرط الشكلية في عقد الهبة والصدقة:

انسجاما مع باقي النصوص القانونية المنظمة للعقار بالمملكة المغربية، فقد اشترط المشرع المغربي إبرام عقدي الهبة والصدقة في العقار بمقتضى المحررات الرسمية أي العقود التي يتلقاها المهنيون المزاولون لمهنة تحرير العقود، وهم الموثقون والعدول، وذلك تحت طائلة بطلان التصرف.

ولابد من التذكير هنا أن المحامون المقبولون لدى محكمة النقض غير مؤهلين لتلقي عقدي الصدقة أو الهبة في العقار، رغم أن المادة 4 من القانون 39.08 أعطتهم الصلاحية لتوثيق التصرفات المنصبة على العقارات، لأن الفصول المنظمة لعقدي الصدقة والهبة في نفس القانون اشترطت توثيقهما بمحرر رسمي تحت طائلة البطلان، وذلك لكون المادة المذكورة وردت في الأحكام العامة للنص القانوني المذكور، أما المادتين 274 و 291 فقد وردتا في الفصول الخاصة المتعلقة بالصدقة والهبة، والنص الخاص يقيد النص العام كما تنص على ذلك القاعدة القانونية المشهورة.

شرط عدم وجود دين بذمة الواهب:

تنص المادة 278 من مدونة الحقوق العينية على أنه ”لا تصح الهبة ممن كان الدين محيطا بماله.” وتبعا لذلك فإن العقار عندما يكون مثقلا برهن ضمانا لدين فإنه لا يمكنه هبته أو هبة جزء منه. غير أن الواقع العملي أفرز إمكانية هبة أو صدقة جزء من عقار مثقل برهن لفائدة مؤسسة بنكية وذلك باللجوء إلى عقد يقضي بموافقة المؤسسة الدائنة على الهبة أو الصدقة Adhésion de la banque وهو عقد بمقتضاه يمنح البنك موافقته على نقل جزء من العقار إلى الموهوب له مقابل التزام الواهب/المقترض بمواصلة أداء أقساط الدين والاحتفاظ بالضمان المقيد في العقار، كما يقر بمقتضاه الموهوب له بمعرفته ويعطي موافقته بالكفالة لفائدة الواهب/المدين.

ويثار إشكال عندما يتعلق الأمر بهبة جزء من عقار أو حق عيني كحق الرقبة مثلا لقاصر في عقار مثقل برهن رسمي لفائدة مؤسسة بنكية، حيث تشترط المؤسسة البنكية مقابل موافقتها على الهبة تنصيب الموهوب له ككفيل للمدين/الواهب، وهنا نصطدم بمقتضيات الفصل 1119 من قانون الالتزامات والعقود الذي ينص على أنه: ”لا تجوز الكفالة من القاصر ولو أذن له أبوه أو وصيه، إذا لم تكن له أي مصلحة في موضوع الكفالة.” وفي هذه الحالة يلجأ النائب الشرعي للقاصر الى القاضي لاستصدار إذن من أجل تنصيبه ككفيل مقابل تملكه جزءً من العقار، مع استمرار الواهب/ المدين في أداء أقساط القرض.

لابد من التذكير أن مصاريف عقد الهبة من تسجيل ورسوم المحافظة العقارية عندما يتعلق الأمر بعقار محفظ وأتعاب المهني الذي تلقى العقد تقع على عاتق المهوب له لكونه المستفيد من الهبة، غير أن القانون أباح للطرفين الاتفاق على خلاف ذلك بجعل هذه المصاريف على عاتق الواهب أو هما معا.

وتنقسم مصاريف عقد الهبة والصدقة الى مصاريف التسجيل ومصاريف التحفيظ عندما يكون العقار محفَّظا، وأتعاب المهني الذي تلقى عقد الهبة أو الصدقة.

تنظم رسوم التسجيل بالمغرب بمقتضى المدونة العامة للضرائب، وفيما يتعلق بالهبة والصدقة فإن المادة 133 منها تنص على أن التخلي بدون عوض – كالصدقة والهبة –  عن الأموال العقارية يتم تسجيلها بأداء واجب نسبي محدد في 1,5% من تقويم العقار وذلك إذا كانت الهبة أو الصدقة مبرمة بين:

  • الأصول والفروع: كعقد هبة بين الأب او الأم وابنهما أو بنتهما؛ أو أب الأب (الجد) وأبناء ابنه (حفدته)، مهما كانت درجة الأصل والفرع؛
  • الأزواج: بين الزوج وزوجته أو زوجاته وذلك بشرط أن يتم إبرام الهبة أو الصدقة في الفترة التي تكون فيها علاقة الزوجية قائمة؛
  • الإخوة والأخوات؛
  • الكافل والمكفول: وذلك بإثبات هذه الكفالة وفقا  لأحكام القانون رقم 15.01 المتعلق بكفالة الأطفال المهملين.

أما أذا كان عقد الهبة أو الصدقة مبرما بين أطراف غير الأطراف المذكورين أعلاه، فإنه يتم تسجيله بأداء الواجبات المخصصة لنقل الملكية بعوض والمحددة في 4% بالنسبة للعقارات المبنية كالشقق والفيلات، و5% بالنسبة للأراضي غير المبنية والأراضي الفلاحية.

للمزيد من التفصيل حول التسجيل: راجع مقالنا حول رسوم التسجيل في القانون المغربي

بالنسبة لمصاريف المحافظة العقارية عندما يكون العقار الموهوب أو المتصدق به محفَّظا، فإن المرسوم المتعلق بتحديد وجيبات المحافظة العقارية المؤرخ في 18 يوليوز 2016، لا يضع فرقا من حيث الواجيبات المستحقة، بكون التصرف بعوض أو بدونه، إنما حدد وجيبة قدرها 1,5% لتقييد العقود القابلة للتقويم كالهبة والبيع وغيره.

للمزيد من التفصيل حول وجيبات التحفيظ: راجع مقالنا حول واجيبات التحفيظ في القانون المغربي.

فيما يتعلق بأتعاب عقد الهبة والصدقة، وكما أشرنا سابقا، فإن من شروط صحة العقد أن يتم تلقيه من طرف مهني العقود وهو ما يعني أداء أتعاب المهني الذي تلقى عقد الهبة أو الصدقة. ويتم استخلاص هذا المبلغ على أساس نسبة مئوية من التقويم الذي يعطيه الأطراف للعقار الموهوب أو المتصدق به.

للمزيد حول أتعاب الموثقين والعدول، راجع مقالنا حول مصاريف التحفيظ والتسجيل والموثق.

في البداية لابد من التذكير بأن الرجوع في الصدقة لا يجوز مطلقا كما أشرنا الى ذلك سابقا، ولا يمكن استرجاع العقار المتصدق به إلا بالإرث.

يُعرف الرجوع في الهبة لدى الفقهاء بالإعتصار وهو لا يجوز إلا في حالتين اثنتين:

الحالة الأولى: فيما وهبه الأب أو الأم لولدهما قاصرا كان أو راشدا؛

الحالة الثانية: إذا أصبح الواهب عاجزا عن الإنفاق على نفسه أو على من تلزمه نفقته.

بانعدام هذه الحالة فإنه لا يمكن الرجوع في الهبة مطلقا.

من أجل ضمان الاستقرار في المعاملات العقارية، وإضافة الى حالات الاعتصار المذكورة أعلاه، وضع المشرع المغربي شروطا يجب أن تتوفر من أجل الاعتصار في الهبة، وهذي الشروط هي:

  • أن يتم الاشهاد بالاعتصار ويتم التنصيص عليه في عقد الهبة ويقبل به الموهوب له؛
  • أن يحضر الموهوب له ويوقع على عقد الاعتصار أو يتم إصدار حكم قضائي بفسخ الهبة من طرف الواهب، في حالة رفض الموهوب له إرجاع العقار موضع الهبة.

وقد وضع المشرع المغربي موانعا للإعتصار في الهبة وحددها في المادة 285 من مدونة الحقوق العينية، وهذه الموانع هي:

  • إذا كانت الهبة من أحد الزوجين للآخر ما دامت رابطة الزوجية قائمة؛
  • إذا مات الواهب أو الموهوب له قبل الاعتصار؛
  • إذا مرض الواهب أو الموهوب له مرضا مخوفا يخشى معه الموت، فإذا زال المرض عاد الحق في الاعتصار؛
  • إذا تزوج الموهوب له بعد إبرام عقد الهبة ومن أجلها؛
  • إذا فوت الموهوب له الملك الموهوب بكامله، فإذا اقتصر التفويت على جزء منه جاز للواهب الرجوع في الباقي؛
  • إذا تعامل الغير مع الموهوب له تعاملا ماليا اعتمادا على الهبة؛
  • إذا أدخل الموهوب له تغييرات على الملك الموهوب أدت إلى زيادة مهمة في قيمته؛
  • إذا هلك الملك الموهوب في يد الموهوب له جزئيا جاز الاعتصار في الباقي.

يترتب على الاعتصار في الهبة بتوفر حالاتها المذكورة أعلاه وشروطها وانتفاء موانعها السالفة الذكر، أن يتم فسخ عقد الهبة وأن يتم رد العقار الموهوب إلى الواهب.

بالإضافة الى ذلك، فإن الموهوب له لا يلتزم برد الثمار إلا من تاريخ الاتفاق على الاعتصار في الهبة أو من تاريخ الحكم النهائي في الدعوى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *