القانون الجنائي الجزء الثالث : البراءة

القانون الجنائي الجزء الثالث : البراءة

P2T) .1 (أحلها الدستور محل واقعة أخرى، واقامها بديلا
هذه هي أهم الحجج التي استند اليها بعض مـن فقهـاء القـانون لنفـي صـفة القرينـة القانونيـة عـن
البراءة، وفي المقابل تولى انصار القائلين بقرينة البراءة الرد عليها، وتأكيد تلك الصفة بالقول:
ان فكرة القرينة القانونية تقـوم علـى تبنـي المشـرع للوضـع الغالـب والـراجح مـن الأمـور، ولاشـك ان
ِ قرينة البراءة لها سند واقعي لا جدال فيه وتمثل جوهر الحقيقة، وهذا السـند يكمـن فـي الاعتبـار القائـل
ً خـالون مـن الخطيئـة إلـى ان يثبـت العكـس، وان المجـرمين لا يشـكلون سـوى أقليـة

بـأن النـاس جميعـا
2 بالنظر إلى المجموع الكلي لهؤلاء الناسTP24F
(2) .P2T

والقـول بـأن القرينـة القانونيـة ينحصـر دورهـا فـي تسـهيل عمليـة الإثبـات، فـي حـين ان دور اصـل
ً البراءة يتجاوز مجرد نقل للحرية الفردية، ضد

عبء الإثبات إلى دور آخر هام يتمثل في كونها ضمانا

تعسف السلطات المختصة بالإجراءات الجنائية، وهو ما يجعلها متميزة عن القرينة القانونية، يرد علـى
ً بينهمـا،
ً مشـتركا
ً مـن القرينـة القانونيـة، لا ينفـي ان ثمـة قاسـما

ذلك ان كون اصل البراءة أوسـع نطاقـا
2 وان هذا الفارق لا ينفي عنها صفة القرينةTP25F
(3) .P2T

اما القول بأن المشرع في بعض الدول لا ينص صراحة على قرينة البراءة، فإن ذلك لا ينفي عنهـا
صفة القرينة، فإذا لم ينص القانون على قرينة البراءة صراحة، فإنه ينص على اهـم نتائجهـا القانونيـة
التي تتفرع عنها، كتلك المتعلقة بضمانات الحريـة الشخصـية، وتفسـير الشـك لصـالح المـتهم، كمـا هـو
2 الحال في القانون الأمريكيTP26F
(4) .P2T

دستورية عليا 3 يولية (تموز) 1995 في القضية رقم 25 سنة 16 قضائية دستورية. (1 (
مشار اليه ضمن الاحكام ذات المبـادء فـي قضـاء المحكمـة الدسـتورية العليـا المصـرية فـي الموقـع القـانوني (البهـاء)
على شبكة الانترنت: com.aLbahaa.www
462) .2 (السيد محمد حسن شريف، المرجع السابق، ص
462) .3 (المرجع السابق، ص
انظر في هذا المعنى: ليونارد كافيس، “حقوق الإنسان في مرحلة المحاكمة في النظام الأمريكي للإجـراءات الجنائيـة”، (4(
تقرير مقدم إلى المؤتمر الثاني للجمعية المصرية للقانون الجنائي، الإسكندرية، 1989 ،ص361.

( 72 )

دها افتراض
ً ا قانوني ً الفرع الخامس/ البراءة بعِّ
ا

ِّ خرج هـذا الاتجـاه بـرأي مختلـف عمـا سـبق، إذ يـذهب بعـض مـن الفقهـاء الجنـائيين إلـى عـد اصـل
البراءة افتراض قانوني، ولا يدحض هذا الافتراض سوى الحكم القضـائي البـات، مسـتندين فـي ذلـك إلـى
ً إلـى الـراجح الغالـب مـن الامـور.

ان الإنسان مولود برئ، وبقاءه كذلك من المفترضات الثابتـة، اسـتنادا
ذلك ان هذا الافتراض يصف اعتقادنا بأن سلوك أي شخص في مناسـبة مـا يجـب ان يفتـرض انـه كـان
ً، ما لم تكن هناك وقائع مضادة، وبعبارة أخـرى، فـإن هـذا الافتـراض يعنـي ان أي شـخص
ً قانونيا
سلوكا
P2T) .1 (يكون على البراءة فيما يأتيه من افعال، ما لم تكن هناك وقائع مخالفة تثبت العكسTP27F2
وافتراض البراءة لا يتطلب اثبات واقعة أساسية، حتى يجوز للمحكمة أعمـال حكـم الافتـراض، بينمـا
تتطلب القرينة القانونية – ِّ عند عد البراءة كذلك – واقعة أساسـية يجـب اثباتهـا أولا حتـى يمكـن أعمـال
TP28F2القرينة حكم) 2) .P2T
وقد انتهت المحكمة الدستورية العليا في مصر إلى ان اصل البراءة هو افتراض قانوني، ذلك علـى
ً أساس الفطرة التي جبـل الإ مبـرأ مـن الخطيئـة والمعصـية، لـذا يفتـرض علـى

نسـان عليهـا، فقـد ولـد حـرا

ً لـه فيمـا يأتيـه مـن أفعـال إلـى ان تـنقض

ً فيه، مصـاحبا

امتداد مراحل حياته ان اصل البراءة لازال كامنا
محكمة الموضوع بقضاء جازم – لا رجعة فيه – هذا الافتراض، في ضـوء الأدلـة التـي يقـدمها الادعـاء
العام، مثبتة بها الجريمة التي نسبتها اليه في كل ركن من أركانهـا، وبالنسـبة إلـى كـل واقعـة ضـرورية
TP29Fلقيامها 2
(3) .P2T

ً
ً قانونيـا
رغم ذلك لا يمكن تأييد هذا الاتجاه والقول بأن طبيعة اصل البراءة تكمن فـي كونـه افتراضـا
ً لاثبـات العكـس. إذ ان الافتـراض القـانوني مـا هـو الا وسـيلة عقليـة لازمـة لتطـور القـانون، تقـوم
قـابلا

ً، يترتب عليه تغييـر حكـم القـانون، دون تغييـر نصـهTP230F2
P2T) .4 (على أساس افتراض امر مخالف للحقيقة دائما
P2T) .5 (وبعبارة أخرى هو امر يفترض انه مطابق للحقيقة، لكنه في الواقع غير ذلكTP231F2

73) .1 (احمد ادريس احمد، المرجع السابق، ص
156) .2 (احمد سعيد صوان، المرجع السابق، ص
انظـر: القضـية رقـم (5 (لسـنة 15 /قضـائية دسـتورية/ فـي 20/5/1995 ،نشـر بالجريـدة الرسـمية العـدد رقـم (23) (3(
بتاريخ 8/6/1996 .،مشار اليه في شبكة الانترنت على موقع البهاء بعنوان com.albahaa.www.
ابو زيد عبدالباقي مصطفى، “الافتراض ودوره في القانون”، المطبعة العالمية، القاهرة، 1980 ،ص106) .4(
وكان للافتراضات القانونية أهمية في التاريخ ولا يزال لها بعض الأهمية الآن في القانون، لأنه بوسـاطتها يتسـنى مـد (5(
نطـاق القـانون، بسـد مـا يظهـر فيـه مـن الـنقص، وكانـت تسـتعمل فـي القـانون الرومـاني لجعـل احكـام القـانون تشـمل
الاشخاص الذين كان الواجب حمايتهم بمقتضى القانون، ولكن كان من غير المتيسر لهم الحصول على هذه الحمايـة
بمقتضى الإجراءات القانونية المعقدة. انظـر فـي تفصـيل ذلـك: محمـد كامـل مرسـي، سـيد مصـطفى، “اصـول القـانون”،
المطبعة الرحمانية، القاهرة، 1923 ،ص225.

( 73 )
ً، فهـذا يعنـي ان افتـراض بـراءة الإنسـان هـو
ً قانونيـا
ِّ فإذا سلمنا بالامر في عد اصل البراءة افتراضـا

ً، ولاشك في انها نتيجة غير صحيحة، لا يمكن قبولها أو التسليم بها.

امر مخالف للحقيقة دائما
ً عمــا يؤكــده كثيــر مــن الفقــه الجنــائي ان الافتــراض لا يشــكل قاعــدة إثبــات بــل انــه قاعــدة
فضــلا
موضوعية، ومن ثم فهي قاعدة لا تسهم في عملية الإثبات كما تسهم قاعدة اصـل البـراءة بنقـل عـبء
الإثبات نحو سلطة الاتهام. حيث ان الافتـراض يتجـاوز نطـاق الإثبـات ويشـوه الواقـع الـذي هـو أسـاس
P2T) .1 (عملية الإثبات، على نحو يستبعد معه كل إمكانيات الدليل العكسيTP23F2
تلك كانت ابرز الاتجاهات فـي قـراءة الفقـه الجنـائي حـول الطبيعـة القانونيـة لأصـل البـراءة، الا انـه
وفي نهاية هذا المطلب لابد من الإشـارة لمـا انتهـى اليـه بعـض مـن الفقـه الجنـائي مـن صـيغة توفيقيـة

ً للمطلب الثاني.
ً ومدخلا
لتلك الطبيعة. نجدها في الواقع تمهيدا
إذ خلـص الـبعض مـن الفقـه الجنـائي إلـى ان “اصـل البـراءة” ذات طبيعـة مزدوجـة فمـن ناحيـة تعـد
قرينة قانونية بسيطة، تتفرع عنها مجموعة ِّ من النتائج القانونية الملازمة لهـا، ومـن ناحيـة أخـرى تعـد
ً
ً لأنها تمس الموضوع أو الجوهر المشـترك للـنظم القانونيـة الديمقراطيـة، وترجمـة أو إنعكاسـا
مبدأ عاما
P2T) .2 (لتصور سياسي معين للمجتمع والقانون الجنائيTP23F2

َ “اصل البراءة” مبدأ أساسيا في النظام الـديمقراطي، كمـا انـه

الا ان البعض الآخر زاد على ذلك معدا
ً مـن مفترضـات المحاكمـة المنصـفة، الا انـه فـي الأسـاس هـو مـن حقـوق الإنسـان، بـل ومـن
مفترضـا
الحقوق الأساسية في الدساتير التي اخذت بهذا التعبير، ومن ثم اصـل البـراءة مـن الحقـوق التـي تنـال
2 الحماية الدستوريةTP234F
(3) .P2T

242) 1 (انظر في اوجه الشبه والاختلاف بين القرينة والافتراض لدى: عبدالحافظ عبـدالهادي عابـد، المرجـع السـابق، ص
وما بعدها.
رؤوف عبيـــد، “مبـــادئ الإجـــراءات الجنائيـــة فـــي القـــانون المصـــري”، دار الجيـــل للطباعـــة، ط16 ،القـــاهرة، 1985) ،2(
ص738.
246) .3 (احمد فتحي سرور، “القانون الجنائي الدستوري”، المرجع السابق، ص

ً بيان رأينا في هذه المذاهب في المطلب الثاني (ص74 (وما بعدها.

– وسوف نتناول تفصيلا

( 74 )

المطلب الثاني
التصور المقترح لطبيعة البـراءة

من خلال العرض السابق لتصور الفقه الجنائي لطبيعة البراءة، يمكن ان نخلص إلى ان “الأصـل
ً، علـى وفـق مـا سـبق ذكـره مـن
ً قانونيـا
ِّ فـي المـتهم البـراءة” لا يمكـن عـده حيلـة قانونيـة أو افتراضـا
اسباب، اما كون البراءة حق، فهذا ما يمكن ان يتناوله فرع آخر مـن القـانون لابـد مـن الاعتـداد بـه،
ً ِّ عنـد التفكيـر فـي عـد ً هـذا الأصـل مبـدأً ام قرينـة؟. فـإذا كـان الفـرض ان

ولكن الأمر يبـدو اكثـر عمقـا
“اصـل البـراءة” مبـدأ، ذلـك يعنـي ان البـراءة فـي الإنسـان سـلوك ثابـت، واذا كـان الفـرض انـه قرينـة،
مـؤدى هـذا ان سـلوك البـراءة، امـر غيـر ثابـت، فـأي الفرضـين صـحيح، لاسـيما فـي إطـار القـانون
ً للبحث
ً ومدخلا
ِّ الجنائي؟. للإجابة على ذلك، نبحث في طبيعة الإنسان في الفرع الأول، بعدها تمهيدا
في طبيعة البراءة، وهو ما نتناوله في الفرع الثاني.
الفرع الأول / الطبيعة المزدوجة للإنسان

ً
عند التفكير في جوهر طبيعة ِّ البراءة، نجد انه يـتلمس مواضـع جدليـة أخـرى، يمكـن عـدها جـذورا
له، تشترك معها التساؤل ذاته، حـول طبيعـة الـنفس البشـرية، وأعنـي بصـورة خاصـة موضـوع الخيـر
والشر والثابت والمتغير في النفس الإنسانية. نبين ذلك من خلال النقاط الآتية:

أولا / في الإنسان نوازع للخير وأخرى للشر
بدايــة ينبغــي الإقــرار بــأن الإجــرام أو البــراءة فــي الإنســان، كلتاهمــا مــن مظــاهر النشــاط
النفسي، التي تنعكس للظاهر من خلال الإرادة. وما الإرادة سوى نشـاط نفسـي يتجسـد فـي
P2T ،أي قدرتـه علـى اتخـاذ (1 (قدرة الإنسان على توجيه نفسه إلى فعـل معـين أو الامتنـاع عنـهTP235F2
2 قــرارات شخصــية تســير ســلوكهTP236F

P2T ِّ ، تظهــر هــذه الإرادة بعــدها نتيجــة لمــا يــدور فــي نفــس (2(
الإنسان من صراع بين الخير والشر، حيث خلق االله عز وجل الإنسان واودع داخلـه نـوازع
اكـرم نشـأت ابـراهيم، “القواعـد العامـة فـي قـانون العقوبـات المقـارن”، ط1 ،مطبعـة الفتيـان، بغـداد، 1998 ،ص271) .1 (
وكذلك: علي حسين الخلف، سلطان الشاوي، “المبادئ العامة في قانون العقوبات”، المرجع السابق، ص149.
ً فـي تصـرفاته غيـر مـرغم عليهـا، وفـي وضـع جسـدي وذهنـي يخولـه (2 (
ويفترض لتـوافر هـذه الإرادة ان يكـون الفاعـل حـرا
اتخاذ القرار الذي يريد، فلا يتوافر قصد ارتكاب الجريمـة إلا باتجـاه هـذه الإرادة إلـى انتهـاج سـلوك اجرامـي (فعـل أو
امتناع ) لغرض احداث النتيجة الجرمية المترتبة عليه.
انظر: مصطفى العوجي، “المسؤولية الجنائية في القانون اللبناني”، بدون دار نشر، بيروت، 1979 ،ص18.

( 75 )
ً قوامه الإدراك وحرية الاختيار،

للخير واخرى للشر، تتصارعان فيه منذ نشأته، ومنحه عقلا
ً لقوله تعالى ” ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواهـا، قـد أفلـح مـن زكاهـا وقـد
مصداقا
P2T .إلا ان هـذا الصـراع يتـأثر بعوامـل متعـددة، قـد تفضـي إلـى ظهـور (1 (خـاب مـن دسـاها ” 2TP 237F
احدى النزعتين – ضد الأخرى – في صورة سلوك سوي أو منحرف.
إذ بــات مــن الــراجح فــي العلــوم الإنســانية المعاصــرة، اشــتراك عــاملي الوراثــة والبيئــة فــي
P2T) ،2 (التكوين الثلاثي لشخصية الإنسان (التكوين البدني، التكوين العقلي، التكـوين النفسـي)2TP 238F
P2T) ،3 (إلا انه من الصعوبة تقرير مدى أو نسبة مساهمة هذا العامل أو ذاك فـي هـذا التكـوينTP239F2
ومـع ذلـك يمكـن القـول بـأن العوامـل الوراثيـة هـي المرحلـة الأولـى والأساسـية فـي تكـوين
الشخصية، ثم يأتي دور العوامل الخارجية لتؤثر في هذا الأساس وتتفاعل معه، مما يؤدي
إلى نتيجة قد تساعد في كشف الاستعداد الوراثي لسـلوك معـين أو تغيـر مـن مظـاهره، وقـد
ً. والتحليـل العلمـي الـوافي يؤكـد بالتـالي أن الصـفة الواحـدة مـن

تؤجـل أو تمنـع ظهـوره كليـا
صـفات الشخصـية تمثـل حصـيلة عمليـات واسـعة مـن التفاعـل والتـوازن فـي كيـان الإنسـان
ً
ً. وما من ضمانه في ان يكون الظـاهر مـن صـفات الشخصـية دلـيلا
ً ومحيطيا
بكامله حياتيا

ً عن الظهور، مما يثير التسـاؤل ذاتـه عـن ثبـات أو تغيـر

ً على ما تبقى منها مستترا
صادقا
معالم الشخصية وسماتها؟

سورة الشمس/ من الاية 7 إلـى 10 ،وكـذلك قولـه عـز وجـل (( إنـا خلقنـا الإنسـان مـن نطفـة أمشـاج نبتليـه، فجعلنـاه (1 (

ً)) سورة الإنسان/ الآية 2 و 3 ،ً .إنا هديناه السبيل، إما ش

ً ٕ واما كفورا
ً بصيرا اكرا
سميعا
ً فـاق بكثيـر مـا كـان ينسـب بـالامس إلـى عمليـات (2 (
بلغـت اهميـة هندسـة الجينـات أو مـا يعـرف “بالهندسـة الوراثيـة” حـدا

ً. فعلـى سـبيل المثـال، بـات مـن الممكـن تحديـد جـنس الجنـين،

الإخصـاب الصـناعي مـن اهميـة ادهشـت البشـر جميعـا

ً ام انثـى، ذا شـعر اسـود أو

وبنسـبة نجـاح تقـدر بـأكثر مـن 80 ،%أي ان يكـون الجنـين حسـب رغبـة الوالـدين، ذكـرا
اشقر، طويل أو متوسط الطول. ولا يقتصر الامر على التكوين البدني، إذ دلت نتائج التجارب الحديثة، إمكانية انتقـال
بعض السمات النفسية بالوراثة – كالخوف – كما تشـير إلـى ان الوراثـة قـد تكـون بالفعـل هـي المتحكمـة فـي اسـتعداد
الإنسان لادمان الكحول وسائر المخدرات الأخرى.
انظـر فـي تفاصـيل ذلـك: د. سـمير رضـوان، “وراثـة السـمات النفسـية”، مجلـة العربـي، س35 ،ع402 ،مـايو 1992 ،
الكويت، ص57 وما بعدها.
انظر في هذا المعنى: علي عبدالقادر القهوجي، “اصول علمي الإجرام والعقاب”، منشـورات الحلبـي الحقوقيـة، بيـروت، (3 (
2002 ،ص171 وما بعدها.
وكذلك، نور الدين هنداوي، فايز الظفيري، “الوجيز في علمي الإجرام والعقاب”، ط3 ،بدون دار نشر، الكويـت، 1999 ،
ص85 وما بعدها.
وكذلك، يسر انور علي، آمال عثمان، “علم الاجرام وعلم العقاب”، دار النهضة العربية، القاهرة، 1980 ،ص164 وما
بعدها.

( 76 )

ثانيا/ الإنسان ثابت ومتغير
هنـاك العديـد مـن النظريـات والـدلالات التـي تشـير إلـى ثبـات شخصـية الإنسـان، واخـرى تؤكـد
2 تغيرها مع الزمنTP240F

P2T .إلا ان النتيجة المشتركة ترجح ان الإنسان ذو طبيعة ثابتة، وان تغيره هو امر (1(
استثنائي طار ئ، إذ يؤكد علمـاء الـنفس ان اخـتلاف الآراء فـي شـأن ثبـات الشخصـية أو تغيرهـا، لا
يمكنه ان يتجاوز الواقع الذي تؤكد تجاربه، ان شخصية الفرد كما تتمثل بسلوكه لها ان تتغيـر فـي
ً لـردود الفعـل التـي

الكثيـر مـن النـاس حسـبما تقتضـيه ظـروف الـتلاؤم بـين الفـرد ومحيطـه، وتبعـا
يلاقيها في مجتمعه من تسامح أو رفض.
وعلى هذا علينا ان ننظر إلى بعض مظاهر التحول أو التغير في طبيعـة الإنسـان، لا كدلالـة
على تحول أساسي في كيان الشخصية، وانما كدليل علـى مـا تـوافر فـي شخصـية الفـرد مـن قابليـة
ً للضرورات الحياتية والمحيطية التي يتعرض لها، وبهذا يكون التغير مجرد تنويـع

على التكيف تبعا
P2T) .2 (وتلوين يكشف عن حدود الشخصية ويعد جزء TP241F2 ً منها
ومـن ثـم فـإن علـم الـنفس حـين يرسـم صـورة ثابتـة للكيـان النفسـي للإنسـان فهـو لا يخـالف
الحقيقة، وهو كذلك لا يمنع احتمـالات التغيـر ولا ينفيهـا مـن حسـابه، انمـا يأخـذ بالحسـبان ان هـذا
التغير يشمل الصورة – الظاهرية – ولا يؤثر في الجوهر، إذ ان جوهر الإنسان لا يتغير انما صورة
الإنسان هي التي تتغير، مما ينعكس على المظهر، فيحسب الناس انه تغير.

أشير هنا فقط إلى بعض ابرز هذه النظريات والدلالات، دون الغور في تفاصيلها والاكتفـاء بـالراجح منهـا لـدى علمـاء (1 (
النفس، وحسب ما تقتضيه ضرورات البحث.
إذ تفيـد بعضـها إلـى ان معالجـة الشخصـية تتقـرر بالوراثـة، أو ان الوراثـة بالتفاعـل مـع كـل مـا يـؤثر علـى نمـو
الجنــين يكــون المعــالم التامــة للإنســان، أو ان هــذا التفاعــل يمتــد إلــى ســنوات الطفولــة المبكــرة بتجاربهــا الماديــة
والنفسية، وبعدها تظل هذه الشخصية ثابتة لا تتغير مع الزمن.
ً الا ان بعـض النظريـات ي ، ممـا يؤكـد
ؤكـد ان الشخصـية قابلـة للتغيـر مـع مـرور الـزمن ولكـن بشـكل متوقـع نسـبيا

الاستمرار والثبات في المعالم الأساسية لها.
وهنا دلالات أخرى تشير إلى ان ما يبدو من استقرار للشخصية على طبيعة ما، لا ينفـي تغيرهـا مـع الـزمن، وهـذا
ما يحدث بالفعل في ادوار الحياة الطبيعية مثل البلوغ والمراهقة، والزواج، والابـوة والامومـة، المسـؤولية فـي العمـل،
ً وسرعة في حالات تعرض الفرد إلى تحولات اجتماعية أو

وزواج الابناء والتقاعد، وله ان يحدث بشكل اكثر وضوحا
اقتصـادية مفاجئـة، أو صـدمات أو امـراض أو طـوارئ، ومـا قـد يـنجم عـن ذلـك مـن آثـار نفسـية تغيـر مـن السـمات
المألوفة لشخصية صاحبها.
انظـر فـي تفصـيل ذلـك: د. علـي كمـال، “الـنفس – انفعالاتهـا وامراضـها وعلاجهـا”، ج1 ،ط4 ،دار واسـط للدراسـات
والنشر، بغداد، 1988 ،ص76 وما بعدها.
د. علي كمال، “النفس – انفعالاتها وامراضها وعلاجها”، المرجع السابق، ص78) .2(

( 77 )
إنما المهم في ذلك كله، معرفة إلى أي حد تعبر هـذه الصـورة عـن الجـوهر السـوي، والـى أي
مدى تنحرف عن مسارها الصحيح، عليه يمكن القول أن المرجع في ذلك هو الفطرة التي خلق االله
P2T) .1 (بها الإنسان على البراءة الثابتة، نسبياTP24F2
على ذلك يمكن ان نخلص إلى ان البـراءة فـي الإنسـان ليسـت ثابتـة، بـل هـي متغيـرة بتغيـر طبيعـة
ً الإنسان ذاته. ومع ذلك فهي اصل في الإنسان، لا يمكن الحيـاد عنـه للبشـر ، ومبـدأ ثابـت علـى

جميعـا

وفق الغالب الأعم منهم.
لذلك فقد تقررت للبراءة الحماية القانونية، فتعددت طبيعـة البـراءة بتعـدد صـور تلـك الحمايـة، وهـذا
ما سنبحثه في الفرع الثاني.

الفرع الثاني / الطبيعة المتعددة للبراءة
بنـاء علـى مـا تقـدم، يمكننـا ان نتوصـل إلـى تصـور نهـائي حـول طبيعـة “أصـل البـراءة”، علـى ان
نفصل في البداية بين الجانب النظري للبراءة، والجانب التطبيقي لها، فنتناول كل جانب على حدة.
( 1 ( الطبيعة في الجانب النظري للبراءة
تختلف طبيعة البـراءة بـاختلاف الجهـة التـي تقـرر حمايتهـا، فـإذا كنـا بصـدد إعتمـاد أسـس لبنـاء
الدولة الديمقراطية التي تقوم على احترام حقوق الإنسان، ومبدأ سيادة القانون، وسمو الدستور، في
ً من مبادئ العدالة الإنسانية، وذلك

هذه الحالة لا ُّ يوجد ادنى شك بأن اصل البراءة يعد “مبدأً” جوهريا
لأنه يتطابق مع ما فطر عليه الإنسان من براءة، لا يخدشها سوى الخلل البيئي الذي يحيط الإنسان
بجوانبــه المختلفــة – ســواء الاجتماعيــة أو السياســية أو الاقتصــادية – والتــي تســتند فــي وجو دهــا
وبقائها وتطورها وصلاحها أو انحرافها إلى السلطات والمؤسسات المختلفة في الدولة.

ً يجعـل مـن مجـرد توجيـه

ً ان تصـدر قانونـا

فهـو مبـدأ موجـه للسـلطة التشـريعية، فـلا يمكنهـا مـثلا

ً للحكـم بإدانتـه، أو إصـدار قـانون يلقـي علـى

الاتهـام إلـى شـخص مـا بارتكـاب جريمـة معينـة، كافيـا
المتهم عبء الإثبات، أو تشريع يبيح معاقبة المتهم دون صدور حكم نهائي بإدانته.
كما هو مبدأ موجه إلى السلطة القضائية، فمن غير المتصور ان يفسر القاضـي الشـك فـي أدلـة
الإدانة لغير صالح المتهم، أو ان يقوم القاضي بتكليف المتهم بتقـديم مـا يثبـت براءتـه قبـل مواجهتـه
بأدلة الإثبات.

ً موجه إلى السـلطة التنفيذيـة، فـلا يجـوز لهـا مخالفتـه، لـذا فـإن

ِّ كذلك يعد اصل البراءة مبدأً عاما

ً
أي إجراء ماس بحرية المتهم وكرامته لمجرد توجيه الاتهام اليه دون ضوابط أو ضمانات، يعد اجـراء
انظر في ذلك: محمد قطب، “دراسات في النفس الإنسانية”، دار الشروق، بيروت، 1974 ،ص356 وما بعدها. (1 (

( 78 )

2 وغيـر مقبـولTP243F
ً
P2T عـن ذلـك فهـو مبـدأ أساسـي موجـه إلـى وسـائل الاعـلام والـى مختلـف (1 (بـاطلا

ً
. فضـلا
2 الاشخاص الطبيعية والاعتباريةTP24F
(2) .P2T

وعليه يمكن القـول ان اصـل البـراءة مبـدأ جـوهري، تسـتند اليـه التشـريعات العالميـة – مـن خـلال
ً الاعلانـــات والمعاهـــدات والمواثيـــق – للدولـــة
ِّ وكـــذلك التشـــريعات الدســـتورية للـــدول، بعـــده معيـــارا
الديمقراطية في الجزء المتعلق باحترام آدمية الإنسان وكرامته، وذلك بالنص عليه بصـفته مبـدأ ثابـت
لا يتغيـر، علـى ان تكـون صـيغة المبـدأ كاملـة، غيـر منقوصـة، بـالنص علـى ان “الأصـل فـي المـتهم
البراءة، حتى تثبت ادانته بحكم قضائي بات”.
( 2 ( الطبيعة في الجانب التطبيقي للبراءة
تتغير طبيعـة البـراءة فـي جانبهـا التطبيقـي – ِّ إلـى عـدها “قرينـة قانونيـة” أو إلـى “حـق شخصـي”،
وذلـك بتغيـر القـانون الـذي يلقـى علـى عاتقـه حمايـة البـراءة، فـإن كنـا بصـدد محاكمـة جنائيـة، فـإن
ً
ً شخصـيا
ِّ البـراءة تعـد ً قرينـة ً قانونيـة بسـيطة، وان كنـا بصـدد محاكمـة مدنيـة، فـان البـراءة تعـد حقـا
للمدعي. ولأهمية هذا الموضوع بالنسبة للبحث وتعلقه به نوضحه بالتفصيل الآتي:

أولا / طبيعة البراءة في المحاكمة الجنائية
ان كنا نؤيد – من حيث النتيجة – ِّ ما اتجه اليه الكثيـر مـن الفقـه الجنـائي فـي عـد البـراءة
“قرينة قانونية بسيطة” قابلـة لاثبـات العكـس، فإننـا نختلـف معـه فـي طريقـة الوصـول إلـى تلـك
ِّ النتيجة. إذ توصل بعض الفقه الجنائي إلى عد البراءة “قرينة قانونية” – والقرينـة كمـا اسـلفنا،
هي استنتاج مجهـول مـن معلـوم – علـى أسـاس ان الواقعـة المعلومـة هـي ” اصـل الإباحـة فـي
الأفعال”، والمجهول المستنتج من هذا الأصل براءة الإنسان.
ِّ ولكنه يبدو لي ان هذا التحليل للوصول إلى النتيجة من عـد البـراءة قرينـة قانونيـة يخـالف
الواقــع. بيــان ذلــك ان البــراءة فــي الإنســان، والإباحــة فــي الأفعــال، همــا قاعــدتان اصــوليتان،
تتفرعان من قاعدة أصولية هامة هي قاعدة “استصحاب الحـال” ومعناهـا – كمـا اسـلفنا- بقـاء
مـا كـان علـى مـا كـان إلـى ان يوجـد مـا يغيـره. فـإذا لـم يوجـد المغيـر ظـل الإنسـان علـى براءتـه
ِّ بعدها الأصل، وظلت الأفعال علـى أباحتهـا ب ِّعـدها الأصـل، فـاذا كـان الامـر كـذلك فـلا يمكـن مـن
ناحية قانونية أو منطقية، التسليم بأن احدى القاعدتين مجهولة والاخرى معلومة، وهما فرعان
انظر في هذا المعنى: احمد سعيد صوان، المرجع السابق، ص56 وما بعدها. (1 (
(2 (يظهر اهمية ذلك في الجانب العملي لأصل البراءة، في الجزء المتعلق بعدِّه من الحقوق الشخصية.

( 79 )

2 مـن اصـل واحـدTP245F

P2T .فكمـا ان “قاعـدة الإباحـة” معلومـة علـى وفـق المعنـى السـابق، فـان “قاعـدة (1(
البراءة” أيضا معلومة للاعتبار ِّ ذاته، وعليه لا يصح الاستناد في عد البراءة قرينة قانونية، إلى
ان المجهول المستنتج فيهـا هـو اصـل البـراءة فـي الإنسـان. ومـع ذلـك نتصـور “البـراءة” قرينـة
ً
ً ِّ “، بعده أصـلا

قانونية، على أساس ان الواقعة المعلومة هي ” اصل البراءة في الإنسان عموما

ً ِّ ، ومـن ثـم للمـتهم بعـده كـذلك، وان الواقعـة المجهولـة – أي المجهـول

ً لكل مـن ولـد انسـانا
ثابتا
المستنتج من الواقعة المعلومة – هي براءة المتهم من الواقعة محل الاتهام. أي اننا اسـتنتجنا
ً ) من قاعدة الأصـل فـي الإنسـان البـراءة (

براءة المتهم من واقعة الاتهام ( وهي مجهولة فعلا
وهي معلومة غير خافية ).
الا ان براءة المتهم تلـك، لا تعـدو ان تكـون قرينـة قانونيـة بسـيطة، قابلـة لإثبـات عكسـها،
من خلال حكم قضائي بات، يدحض قيام البراءة المجهولة فقط. وبصورة مؤقتة تتعلق في تلك
ً الواقعة تحدي ، وفـي تصـرفاته

ً دائمـا
ً وفي زمان وقوعها فحسب، بينما يبقى أصـله البـرئ قائمـا
دا
الأخرى جميعها.
فـالحكم القضـائي البـات لا يـدحض “اصـل البـراءة فـي الإنسـان” فهـو بـاق لا يـدحض، إنمـا
يدحض قرينة براءة الإنسان في واقعة معينة فحسب.
واسـتنادا قانونيــة فـي مرحلــة المحاكمــة فقــط، دون ً إلــى مــا تقــدم نـرى ان “البــراءة” قرينــة
مرحلتــي (التحــري وجمــع الأدلــة) أو ( التحقيــق الابتــدائي )، إذ يــرجح ثبــات البــراءة فــي تلــك
ً عن ان دور القرينة القانونية الأساسي، يكمن في عملية الإثبـات

ِّ المرحلتين بعدها مبدأ، فضلا
الجنائي وتقدير الأدلة، وهو مـا ينضـوي تحـت مرحلـة المحاكمـة، حيـث ان القـرائن فـي مرحلتـي
التحـري والتحقيـق تقبـل علـى أسـاس التـرجيح فقـط دون الجـزم، فسـلطة التحقيـق ليسـت سـلطة
حكم.

ً
فالمتهم في المراحل الأولى مـن الـدعوى الجنائيـة وقبـل احالتـه إلـى المحاكمـة يظـل متمتعـا
ً، انمـا بعـد احالتـه إلـى المحاكمـة، يضـعف هـذا الأصـل ليصـل إلـى

ِّ بأصله البرئ بعده مبـدأ ثابتـا
درجــة القرينــة – فيمــا يتعلــق بواقعــة الاتهــام فحســب – وذلــك مــن بــاب التــدرج فــي الاقتنــاع
بالحقيقة.

78) .1 (انظر في هذا المعنى: احمد ادريس احمد، “افتراض براءة المتهم”، المرجع السابق، ص

( 80 )

ثانيا / طبيعة البراءة في المحاكمة المدنية
ِّ سبق وان بينا أن بعض القوانين المدنية، تعد البراءة من الحقوق الشخصية التي يجب ان
يتمتع بها الإنسان، ولأهمية هذا الموضوع وحداثته، وللوقوف على طبيعة البراءة في المحاكمة
ً لـذلك
المدنية، نبحث فـي امكانيـة تمتـع البـراءة بالحمايـة المقـررة للحقـوق الشخصـية، وتمهيـدا
ينبغي ان نبين بداية ماهية الحقوق الشخصية.

أ_ ماهية الحقوق الشخصية
القانون هو أساس الحقـوق، والغـرض منـه هـو انشـاء الحقـوق والمحافظـة عليهـا، فالقـانون
يقرر حقوق الناس ويبين الإجراءات التي تتبـع للمحافظـة علـى هـذه الحقـوق. والحـق عبـارة عـن
مصـلحة ( فائـدة ) ماديـة أو ادبيـة يحـافظ عليهـا القـانون بوسـاطة مـنح صـاحبها قـوة يعمـل بهـا
2 الأعمــال اللازمــة للتمتــع بهــذه المصــلحةTP246F

P2T .أو بمعنــى آخــر الحــق هــو صــالح مشــروع يحميــه (1(

TP247Fالقـانون 2
P2T .وقـد عرفـه القـانون العراقـي بأ لمصـلحة (2(
ً
نـه ” ميـزة يمنحهـا القـانون ويحميهـا تحقيقـا

TP248F”اجتماعية 2
(3) .P2T
والحـق يحتـوي علـى عنصـرين أساسـين همـا الرابطـة القانونيـة بـين شخصـين يلتـزم بموجبهـا
احدهما بأن يقدم أو يمتنع عـن اداء معـين للآخـر تعـرف برابطـة الاقتضـاء. والعنصـر الثـاني هـو
استئثار الشخص بقيم أو اشياء، أي يختص بها وحـده دون غيـره. وعلـى ذلـك فـإن أركـان الحـق
تتلخص بوجود صـاحب الحـق وآخـر ملتـزم بمقتضـى هـذا الحـق، بالقيـام بعمـل أو الامتنـاع عنـه،
P2T) .4 (على ان يكون هذا الاداء (العمل 2 أو الامتناع ) ممكن أو معين أو قابل للتعيين ومشروعTP249F

محمد كامل مرسي، سيد مصطفى، ” اصول القوانين”، المرجع السابق، ص408) .1 (
والحق في اللغة نقيض الباطل، وجمعه حقوق. (2(
انظر: محمد ابو بكر الرازي، مختار الصحاح، المرجع السابق، ص116.
م ( 88 ( من القانون المدني العراقي. (3 (
جدير بالذكر ان تعريف الحق كان مثار خلاف كبير بين الفقهاء، وقد ظهرت نظريـات مختلفـة بنـاء علـى ذلـك منهـا
النظرية الشخصية (نظرية الإرادة). النظرية الموضوعية (نظرية المصلحة)، النظريـة المختلطـة (نظريـة المشـروعية
)، والنظرية الحديثة (نظرية الانتماء والسلطة). انظر في مفهـوم الحـق: عبـدالحي حجـازي، “المـدخل لدراسـة العلـوم
القانونيــة”، ج2) كتــاب الحــق)، مطبوعــات جامعــة الكويــت، الكويــت، 1970 ،مــن ص85 ومــا بعــدها. عبــدالباقي
البكري، زهير البشير، “المدخل لدراسة القـانون”، مطبوعـات جامعـة بغـداد، بغـداد، ص221 ومـا بعـدها. محمـد لبيـب
شنب، “دروس في نظرية الحق”، دار النهضة العربية، القاهرة، 1977 ،ص10 وما بعدها.
213 وما بعدها. (4 (انظر في تفصيل ذلك: زهير البشير، المرجع السابق، ص

( 81 )
والحقـوق الشخصـية وهـي احـدى طوائـف الحقـوق الخاصـة، ذات مضـمون معنـوي، تسـتمد
ً وتتـيح لـه الانتفـاع بمـا تنطـوي عليـه ذاتـه
ً وثيقـا
اصلها من شخصية الإنسان وترتبط بـه ارتباطـا
من قوى بدنية وفكرية، وبتعبير آخر هي حقوق فطرية يخولها القانون لكل شخص طبيعي وذلك
من اجل حماية مصالحه الأساسية. ومن خواصها انها حقـوق غيـر ماليـة – أي لا تقـوم بـالنقود
ً فـي التعـويض ) وهـي حقـوق غيـر قابلـة للتصـرف
ً ماليـا
– ( وان كان الاعتداء عليهـا يرتـب حقـا
2 فيها، ولا تنتقل للورثة، ولا تسقط بالتقادم، كما انها غير واردة على سبيل الحصرTP250F
(1) .P2T

ب_ إمكانية تمتع البراءة بالحماية المقررة للحقوق الشخصية
لا شك في ان اصل البراءة يمثل مصلحة غاية في الاهمية بالنسـبة للمـتهم إذ يتمسـك بهـا فـي
مواجهـة الا تهـام الجنـائي، كمـا انهـا مصـلحة جماعيـة تتمثـل فـي ضـرورة احتـرام حريـة الإنسـان
وكرامته ومن ثم عدم المساس بها الا على وفق ضوابط وشروط يفرضها هذا الأصل. وعلـى ذلـك
فإن هذه المصلحة ( اصل البراءة ) لا بد وانها مشروعة تستوجب حماية القانون لها.
وبالتحليل نجد ان عنصري الحق – ومن وجود رابطة قانونية والاسـتئثار – وكـذلك ركنـي الحـق
– من وجود صاحب حق وآخر ملتزم به – ومحل الحق هو الامتناع عن المسـاس بهـذا الأصـل،
متوافرة في اصل البراءة.
ً عن تمتعه بخصائص الحقـوق الشخصـية، فهـي حقـوق غيـر ماليـة أي لا تقـوم بـالنقود،
فضلا
P2T) .2 (وهي حقوق غير قابلة للتصرف فيها، ولا تنتقل للورثة، ولا تسقط بالتقادمTP251F2
ومن جانب آخر عند تتبعنا لأساس حق المتهم في محاكمة عادلة – وهو حق شخصي عام –
ً فـي التسـليم بأصـلية بـراءة الإنسـان، فـإقرار الأصـل فـي

لوجـدناه يلتقـي عنـد محـور واحـد ممـثلا
الإنسان البراءة يفسر جميع ما ترتكز عليه حقه – في موضع الاتهام – في محاكمـة عادلـة مـن
إذ ان هذه الحقوق تمثل مجموعة كبيرة من القيم اللصيقة بالانسان، لـيس مـن السـهل حصـرها، وان اقصـى مـا يمكـن (1 (
اقتراحه هو ان نرد هذه القيم إلى طوائف ثلاث:
1 -حقوق الشخص في احترام ذاته وتشمل (الحق في الاسم، الحق في الصورة ).
2 -حقوق الشخص في احترام كيانه البدني وتشمل ( حق الإنسان في الحياة وفي سلامة بدنه ).
3 -حقوق الشخص في احترام كيانه الادبي وتشـمل ( حـق الشـخص فـي سـلامة شـرفه، حـق الشـخص فـي الحفـاظ
على سره، حق الشخص في كيانه الفكري ).
انظر في تفصيل ذلك: عبدالحي حجازي، المدخل لدراسة العلوم القانونية، المرجع السابق، ص172 وما بعدها.
انظر في ذلك: اسامة ابو الحسن مجاهد، “الحماية المدنية في قرينة البـراءة”، دار النهضـة العربيـة، القـاهرة، 2002) ،2(
ص27.

( 82 )
ضــمانات، ويؤلــف بينهــا بغيــر تضــاد ويوثــق عراهــا بغيــر تنــافر، بحيــث إذا تســاءلنا عــن ركيــزة
P2T) .1 (ة ويسر وتفسيرها، ارتكازا TP25F2 ً احداها، امكن ردها بسهول عليه بغير عسر
فاذا كنا نقر بأن اصـل البـراءة هـو الأسـاس لحقـه فـي محاكمـة عادلـة – بمـا ينبنـي عليهـا مـن
حقوق وضمانات للمتهم – ِّ فكيف لا نقبل عد هذا الأساس حق من الحقوق الشخصية للمتهم.
ً مـن الحقـوق الشخصـية لـه، الا ان

ومن بعد يجب الإقرار ان الأصل في المتهم البراءة يعد حقا
هذا الحق مستند في نشأته وبقائه وانتهائـه إلـى وجـود إجـراءات جنائيـة تجـاه المـتهم، فهـو حـق
ً
مقيد أو محدود من حيث الزمان، إذ يتقرر هذا الحق بالمدة التي تكون فيها قرينـة البـراءة محـلا
ً
للحماية المدنية، وهي تكون كذلك في حالـة تواجـد الشـخص فـي موضـع الاتهـام الجنـائي ومحـلا
للتحقيق أو المحاكمة، حتى صدور حكم قضائي يفيد بالإدانة النهائية، فـلا يتمتـع المـتهم بـالحق
فـي قرينـة البـراءة – أي بالحمايـة المدنيـة المقـررة لهـا – خـارج هـذه المـدة، أي لا يحظـى بهـذه

ً للاشتباه الجنائيTP253F2

ً للاتهام أو موضعا

P2T) .2 (الحماية الا عندما يكون محلا

وفـي هـذا الصـدد – وان كنـا خلصـنا إلـى امكانيـة تمتـع الإنسـان بقرينـة البـراءة، سـواء فـي اطـار
المحاكمة الجنائية أو فـي اطـار الحمايـة المدنيـة المقـررة لهـا – فإنـه يثـور لـدينا تسـاؤل حـول امكانيـة
تمتع الشخص المعنوي بقرينة البراءة؟؟.
جــرى الفقــه القــانوني تســمية شخصــية الإنســان بالشخصــية الطبيعيــة، والشخصــية التــي تمــنح
لمجموعة الاشخاص أو الاموال بالشخصية المعنوية أو ( الاعتبارية ).
ويعر ف الشخص المعنوي بأنه مجموعة من الأشخاص أو الأموال يرمي إلـى تحقيـق غـرض معـين،
ويمـنح الشخصــية القانونيـة بالقــدر الـلازم لتحقيــق هــذا الغـرض بعــد الاعتـراف بهــا مـن قبــل الســلطة
2 المختصة بالدولةTP254F

P2T للوجـوب لـه (3(

ً
. فاذا نشأ الشخص المعنوي تثبت له الشخصية القانونيـة فيكـون اهـلا

وعليه، بالشكل الذي يتفق مع طبيعته، وبالغرض الذي انشأ من اجله، على ان يمثل الشخص المعنوي
ً طبيعيين يباشرون نشاطه القانوني ويعبرون عن ارادتـهTP25F2
P2T .هـذه الشخصـية الاعتباريـة تتمتـع (1 (أشخاصا

57) .1 (حاتم بكار، حماية حق المتهم في محاكمة عادلة، المرجع السابق، ص
45) .2 (انظر في هذا المعنى: اسامة ابوالحسن مجاهد، المرجع السابق، ص
ويعـرف القـانون المـدني العراقـي الاشـخاص المعنويـة بأنهـا هـي “الدولـة، الادارات، المنشـآت، المحافظـات، البلـديات، (3 (
الطوائـف الدينيـة، الشـركات، الجمعيـات، وكــل مجموعـة مـن الاشـخاص والامـوال، التـي يمنحهـا القـانون شخصـية
معنوية (م47 (منه.
د. يوسف محمود قاسم، البراءة الاصلية (اساسها الشرعي وتطبيقاتهـا العمليـة )، مجلـة الامـن والقـانون، كليـة شـرطة (1 (
دبي، السنة 7 ،العدد2 ،يوليو 1999 ،ص15.

( 83 )
بالحقوق والمزايا القانونية جميعها الا ما كان منها ملازما لصـفة الإنسـان الطبيعيـة، وذلـك فـي الحـدود
التي يقررها القـانون، فتكـون لهـا ذمـة ماليـة مسـتقلة واهليـة فـي الحـدود التـي يعنيهـا سـند إنشـائها أو
TP256F2القانون يقررها) 2) .P2T
كمـا اخـذ قــانون العقوبـات العراقــي بصـراحة ووضــوح بـالرأي الــذي يقضـي بــإقرار أهليـة الشــخص
2 المعنوي ومسؤوليته الجنائية واخضاعه للعقوبات والتدابير الاحترازية الملائمة لهTP257F
(3) .P2T

عليه نخلص إلى ان الشخص الاعتبـاري يتمتـع بالشخصـية القانونيـة بـالحقوق والمزايـا جميعهـا الا
ً لصــفة الإنســان الطبيعيــة، وتقــر القــوانين المدنيــة بأهليــة ومســؤولية الشــخص

مــا كــان منهــا ملازمــا
المعنوي المدنية، كما تقر معظم القوانين الجنائية بأهليته ومسؤوليته الجنائية، ومـن ثـم فـإن الشـخص
المعنـوي يتمتـع بأصـله مـن البـراءة – ان وضـع فـي موضـع الاتهـام – وذلـك مـن خـلال قرينـة البـراءة،
وذلك في صدد المحاكمة الجنائية على ان يكـون تطبيـق نتـائج وضـمانات هـذه القرينـة بمـا يـتلاءم مـع
طبيعة هذه الشخصية، إذ لا يتصور – على سبيل المثال – تطبيق النتائج المتعلقة بالحرية الشخصـية
على الشخص المعنوي، الا انه من المتصور تطبيق النتائج المتعلقة بتفسير الشك لصالح المتهم، هذا
من جانب.

ً
ً وثيقـا
ومن جانب آخر، مـا دامـت طبيعـة اصـل البـراءة المتعلقـة بالمحاكمـة المدنيـة، تـرتبط ارتباطـا
بتمتع المتهم بقرينة البراءة، وما دامت المسؤولية الجنائية لم تعد قاصرة على الشـخص الطبيعـي، وان
الحقوق التي ترتبط بهذه المسؤولية – كالحق فـي قرينـة البـراءة – لـم تعـد هـي الأخـرى ملازمـة لصـفة
الإنسان الطبيعية، لذا يمكن القول ان الشخص المعنـوي يتمتـع ايضـا بحقـه فـي قرينـة البـراءة – وذلـك
فـي حالـة الاعتـداء عليهـا مـن قبـل الأشـخاص – ممـا يمنحـه الحـق فـي تطبيـق الجـزاء المـدني علـى
ً أو نشر اعتذار أو تصويب )، وذلك من خلال المحاكمة المدنيةTP258F2
P2T) .4 (المعتدي ( سواء أكان تعويضا
علـى ذلـك وبنـاء علـى العـرض السـابق فـي شـأن الطبيعـة القانو نيـة لأصـل البـراءة، ننتهـي إلـى ان
طبيعة البراءة تختلف باختلاف نوع الحماية القانونية المقررة للمتهم.

فإن كنا بصدد الحماية القانونية للمتهم في اطار القـانونين الـدولي أو الدسـتوري، سـواء مـن خـلال
الإعلانات والمعاهـدات والمواثيـق الدوليـة، فـي المجـال الـدولي وحقـوق الإنسـان، أو مـن خـلال دسـاتير
الدول وتشريعاتها الرئيسة، في مجال ترسيخ الأسـس الرئيسـة للأنظمـة الديمقراطيـة، فإنـه تبـدو طبيعـة
انظر نص م (48/1 ( من القانون المدني العراقي. (2 (
انظر نصوص المواد ( 80 ،122 ،123 ( من قانون العقوبات العراقي. (3 (
34) .4 (انظر في هذا المعنى: اسامة ابو الحسن مجاهد، المرجع السابق، ص

( 84 )
ً من مبادئ حقوق الإنسان الطبيعيـة، والتـي تمتـاز – هـذه

ِّ الأصل في المتهم البراءة بعدها مبدأ جوهريا
الطبيعة – بالثبات المطلق والاستمرارية، أي انها طبيعة دائمة لا تتغير.
وان كنـا بصـدد الحمايـة القانونيـة للمـتهم فـي اطـار القـانون الجنـائي – مـن خـلال قواعـد اصـول
المحاكمات الجزائية – ِّ تظهـر طبيعـة اصـل البـراءة للمـتهم بعـدها قرينـة قانونيـة بسـيطة، تمتـاز بالثبـات
النسبي والتأقيت، أي انها قابلة للتغير باثبات العكـس، وقابلـة للانتهـاء بعـد ثبـوت الإدانـة الباتـة، فيمـا
يتعلق بواقعة الاتهام فحسب.
اما ان كنا بصدد الحمايـة القانونيـة للمـدعي عليـه فـي اطـار القـانون المـدني – مـن خـلال القواعـد
ً الموضـوعية – مـن الحقـوق الشخصـية للمـتهم، تمتـاز بالثبـات

ِّ تبـرز طبيعـة اصـل البـراءة بعـدها حقـا

المطلق والتأقيت.

ً
ً طبيعيـا
ِّ هذا ويمكن القول ان اصل البـراءة، علـى وفـق التسلسـل المنطقـي للأمـور، يبـدأ بعـده اصـلا
ً لـه يظهـر مبـدأ ” المـتهم بـرئ حتـى تثبـت ادانتـه

يولـد مـع الإنسـان ويبقـى معـه طـوال حياتـه، وتطبيقـا
النهائية ” من المبادئ المستقرة في التشريعات الدولية والدستورية، هذا في الجانب النظري.
ِّ اما في الجانب العملي لأصل البراءة، تستند المحاكمة الجنائية إلى هذا المبدأ بعدها قرينـة قانونيـة
ً مـن
ِّ بسيطة تقبل اثبات العكس، وعلى هذه القرينة القانونية تستند المحاكمـة المدنيـة ولكـن بعـدها حقـا
الحقوق الشخصية للمتهم.

ً لا يكون الا حيث تكون هـذه الطبيعـة قرينـة قانونيـة،

فطبيعة الأصل في الإنسان البراء ِّ ة بعدها حقا
وهذه لا تكون الا حيث يكون مبدأ البراءة، والأخير لا يكون الا حيث يكون اصل البراءة فكـل طبيعـة لـه
ِّ ملازمة للأخرى، وتعد حلقة من حلقات الأصل في الإنسان البراءة.
في ظل ما تقدم، يمكن القول ان الكلمات الآتية: “قرينـة البـراءة” ، “حـق البـراءة” أو “مبـدأ البـراءة”،
مصـطلحات صـحيحة عنـد التعبيـر عـن “اصـل البـراءة “، وان كـان مصـطلح قرينـة البـراءة هـو الأقـرب
للتعبير عن طبيعة اصل المتهم البريء، كونه المصطلح الأنسب للدور الحقيقي الذي يؤديه هذا الأصل
فـي الـدعوى لجنائيـة، دون إغفـال أو إنكـار لصـحة وقبـول المصـطلحين الآخـرين لـدورهما فـي تفسـير
بعض النتائج المترتبة لأعمال اصل البراءة.

( 85 )

الفصل الثاني

تقييــــم البــــــراءة

( 86 )

الفصل الثاني
تقييـــــم البــــراءة

– تمهيد وتقسيم:

بعـد ان أظهـرت المباحـث السـابقة فـي الفصـل الأول، الكثيـر مـن المزايـا المهمـة لقرينـة البـراءة،
سواء من حيث مفهومها أو أساسها أو طبيعتها، مما يفضي إلى ضرورة تطبيقهـا فـي إطـار الـدعوى
الجنائية. ومع ذلك لابد من الإقرار بأن لكل مبدأ، مهما بلـغ مـن الدقـة والصـواب فـي الـرأي والبرهـان،
جوانب ايجابية وأخرى سلبية، مع اختلاف كفة هذه أو تلـك، بـاختلاف الزمـان والمكـان وتبـاين الـرؤى
التي تسود المجتمع في حينه حول هذا المبدأ.
لذلك – وفي متابعة لماهية البراءة في القانون الجنائي – ينبغي ان نبين الآراء المعارضة لقرينة
ً دون تطبيقها فـي البراءة، من خلال ابراز الجوانب التي تعدها – تلك الآراء – مهمة، قد تحول

عيوبا

ً بــه، واحــد الاســس

المحاكمــة الجنائيــة، إذ علــى الــرغم مــن ان قرينــة البــراءة اصــبحت مبــدأ مســلما
الجوهريـة التـي يقـوم عليهـا القـانون الجنـائي المعاصـر، بحيـث لا يتصـور وجـود نظـام جنـائي يحتـرم
ً – أي بــالنص عليهــا صــراحة – أو

حقــوق الإنســان وحرياتــه وكرامتــه، دون الاعتــراف بهــا شــكليا


ً وحديثا
ً، وذلك بتبني نتائجها المنطقية الملازمة لها، فقد تعرضت للنقد قديما
موضوعيا
وكانت اشد هذه الانتقادات ضراوة، تلك التي وجهها اليها انصار المدرسـة الوضـعية، ومـع رفـض
هذه الانتقادات من جانب الاتجاه الغالب في الفقه، فقـد حـاول الـبعض الآخـر النيـل مـن هـذه القرينـة
من خلال التشكيك في نتائجها أو محاولة قطع الصلة بينها وبين هذه النتائج.
وعلــى ذلــك ســيكون تناولنــا لـــ “تقيــيم البــراءة” فــي مبحثــين، نخصــص أولهمــا لمــذهب المدرســة
الوضعية من البراءة، وثانيهما لمذهب الفقه الجنائي من البراءة.
المبحث الأول/ مذهب المدرسة الوضعية من البراءة
المبحث الثاني/ مذهب الفقه الجنائي الرافض للبراءة

( 87 )

المبحث الأول
مذهب المدرسة الوضعية من البراءة

– تمهيد وتقسيم:

نشأت المدرسة الوضعية في اواخر القرن التاسع عشر على يد ثلاثة من العلمـاء الإيطـاليين هـم
P2T ،وقد قدمت إلى علم القانون الجنـائي وعلـم (1 ) (سيزار لومبروزو – انريكوفيري – رافائيل جاروفالو )TP259F2
السياسة الجنائية فلسفة جديـدة فـي مفهـوم الجريمـة والمجـرم، والوقايـة مـن الإجـرام، وعـلاج السـلوك
2 الإجرامي، حتى قيل لدى بعض الفقهاء بأنها أعظم مدرسة عرفها تاريخ علوم الجريمةTP260F
(2) .P2T

والواقـع ان المدرسـة الوضـعية، قامـت علـى اسـس فكريـة، تتنـاقض مـع مـا تنـادي بـه المدرسـة
ً – بـل يتعـين النظـر اليهـا، علـى انهـا
ً اجتماعيـا
َّ التقليدية، كرفض حرية الاختيار، وعـد الجريمـة حـدثا

ً، وانمـا هـي نتـاج عوامـل عضـوية ونفسـية واجتماعيـة فمـن
ً قانونيـا
ليست مجرد تجربـة أو موضـوعا
العبــث، فــي رأي انصــارها، ان يقتصــر الاهتمــام علــى هــذا الجانــب القــانوني وحــده. بفــرض الجــزاء
القانوني على الجاني – وانما ينبغي إحلال مذهب واقعي يهتم بحماية المجتمع من الجريمة، وغيرهـا
2 من المبادئ التي تنادي بهاTP261F
(3) .P2T

ً للطـب الشـرعي والطـب النفسـي (1 (
” سـيزار لـومبروزو – Lombroso Cesare ) “1835 – 1909 ،( عمـل اسـتاذا

ً للانثروبولجيـا الجنائيـة فـي جامعـة “تورينـو” الإيطاليـة. اشـهر كتبـه “الإنسـان المجـرم”

بجامعـة “جنـوا”، ثـم اسـتاذا
.(1876)
” انريكـو فيـري – Ferri Enrico ) “1856 – 1929 ،( اسـتاذ القـانون الجنـائي فـي جامعـة “رومـا”، ويعـد العـالم
الابرز للمدرسة الوضعية – اشهر كتبه “علم الاجتماع الجنائي” ( 1884.(
” رافائيـل غاروفـالو – Garofalo Raffael ) ” 1852 – 1934 ،( محـامي ثـم قاضـي، واسـتاذ القـانون الجنـائي
في جامعة “نابولي”. اشهر كتبه (علم الإجرام ) ( 1885.(
انظــر: عبــود الســراج، ” علــم الإجــرام وعلــم العقــاب”، جامعــة الكويــت، منشــورات ذات السلاســل، الكويــت، 1981 ،
ص182.
182) .2 (عبود السراج، المرجع السابق، ص
حول مذهب المدرسة الوضـعية بصـفة عامـة انظـر: محمـود نجيـب حسـني، “شـرح قـانون العقوبـات”، القسـم العـام، دار (3 (
النهضة العربية، ط6 ،القاهرة، 1989 ،ص20.

( 88 )
وكـان مـن بـين الأفكـار أو المبـادئ التـي هاجمتهـا المدرسـة الوضـعية – فـي إطـار قـانون أصـول
المحاكمــات قرينــة البــراءة، بســبب طابعهــا المطلــق والنتــائج المبــالغ فيهــا – حســب رأيهــا – والتــي
استخلصـها منهـا كـل مـن المشـرع والقضـاء، حيـث لـم يـر فيهـا أنصـارها سـوى إجـراءات مـن شـأنها
حرمان المجتمع من وسائل الدفاع الاجتماعي.
بناء على ما تقدم سنتناول مذهب المدرسة الوضعية مـن قرينـة البـراءة، مـن خـلال إبـراز جوانـب
النقد الموجهة لقرينة البراءة من قبل أنصارها في المطلب الأول ثم نتناول الرد علـى هـذه الانتقـادات
في المطلب الثاني.

المطلب الأول/ نقد المدرسة الوضعية لقرينة البراءة
المطلب الثاني/ الرد على نقد المدرسة الوضعية لقرينة البراءة.

المطلب الأول
نقد المدرسة الوضعية لقرينة البراءة

– تقسيم:
للوقوف على الانتقادات التي وجهتها المدرسة الوضعية لقرينـة البـراءة، نبحـث هـذا المطلـب مـن
خلال ثلاثة محاور، نركـز فـي الثـاني منهـا علـى نقـد المدرسـة الوضـعية لقرينـة البـراءة، وفـي الثالـث
ً لهـذا النقـد
ً ومـدخلا
نقدها لقواعد الإجراءات المستوحاة من قرينة البـراءة، امـا الأول فسـيكون تمهيـدا
ِّ من خلال بيان ابرز مبـادئ السياسـة الجنائيـة للمدرسـة الوضـعية، بعـدها الأسـاس الـذي ارتكـز عليـه
نقدها.
الفرع الأول/ السياسة الجنائية للمدرسة الوضعية
الفر ع الثاني/ النقد الموجه لقرينة البراءة
الفرع الثالث/ النقد الموجه لقواعد الإجراءات الجنائية المستوحاة من قرينة البراءة

( 89 )

الفرع الأول / السياسة الجنائية للمدرسة الوضعية
في الواقع ان ملامح السياسة الجنائية للمدرسة الوضعية كافة، انما تبـدأ مـن مقدمـة، يعتقـد بهـا
ً بكل ما يترتـب علـى هـذه المقدمـة مـن نتـائج. إذ يـرون

ً، ولذلك فهم يسلمون مسبقا

الوضعيون تماما

ً أو نقيصـة خلقيـة، ولكنهـا نتيجـة لعوامـل ذاتيـة أو اجتماعيـة سـخرت
ً دينيـا
ان الجريمـة ليسـت اثمـا
مرتكب الجريمة تسخيرا قبـل المجـرم لا ً لا يملك ازاءه أي اختيار لإرادته. ومن ثم فـإن تـدخل المجتمـع
2TP يقوم على أساس خلقي، وانما على أساس دفاع المجتمع عن نفسه ازاء الخطر الذي يتهدده 26F
(1) .P2T
ً علـى إنكـار معظـم مـا نـادت

وعليه فإن مبادئ السياسة الجنائية للمدرسة الوضعية، قامت أساسا
به المدرسة الجنائية التي سبقتها – أي المدرسة التقليدية – بحجة انهـا تعتمـد أسـاليب غيـر علميـة
في مناقشة الجريمة والعقوبة، وأحلوا محلها الأفكار التـي تعتمـد المـنهج العلمـي القـائم علـى التجربـة
والملاحظة، والذي يتوسل القياس والاسـتقراء والإحصـاء، طرائـق للبحـث العلمـي. ولصـلة تلـك الأفكـار
والمبادئ بالنقد الذي وجه لقرينة البراءة، نوجزها بالنقاط الآتية:-
أولا / رفضت المدرسة الوضعية النظرة الميتافيزيقية إلى الجريمـة والمجـرم، وذلـك بعـدم تسـليمها
بالغيبيات أو الأفكار المسبقة، والمعاني الفلسفية المجردة والمطلقة، إذ انطلقت من فرضـيات
وضـعية مسـتمدة مـن الواقـع المـادي الملمـوس، ومـن ثـم البرهنـة عليهـا مـن خـلال المـنهج
P2T) .2 (العلمي القائم على المشاهدة والتجربة والاستدلال المنطقيTP263F2
ثاني��ا / رفضــت المدرسـة الوضــعية ايضـا افكــار المدرســة التقليديـة، قائلــة ان السـبب فــي فشــل
سياستها الجنائيـة يعـود إلـى تركيزهـا علـى الجريمـة دون المجـرم، وعلـى الفعـل دون الفاعـل،
مع ان الأولى بالاتباع هو العكـس، أي الاهتمـام بـالمجرم، وذلـك بالبحـث العلمـي فـي اسـباب
اجرامه، توطئة لعلاجه منها بعد ذلك، تلك الأسباب يمكن ردها إلى نـوعين: داخليـة (التكـوين
العضوي والوراثي والنفسـي والأمـراض ) وخارجيـة ( بيئيـة، اجتماعيـة، اقتصـادية،… وغيرهـا
P2T) .3 ،( (على اختلاف بينهما في غلبة أحدهما على الآخرTP264F2

سليمان عبدالمنعم، “مبادئ علم الجزاء الجنائي”، بدون دار نشر، الإسكندرية، 2002 ،ص185) .1 (
انظر في تفصيل هذا المعنى: (2 (
Ferri ( Enrico ), Griminal Sociology, Translated by Joseph Delly and John Lisle,
Agathon Press Inc, New York, 1967, P. 7-16.
انظر في هذا المعنى: علي عبدالقادر القهوجي، “اصول علمي الاجرام والعقاب”، المرجع السابق، ص216) .3 (

( 90 )
ً إلى الاجـرام، إذ ان كـل سـلوك يصـدر عـن الإنسـان

تلك الأسباب والعوامل متى توافرت تدفع حتما
إنمـا هـو نتيجـة حتميـة لعوامـل لا قبـل لـه بـالتخلص منهـا، الامـر الـذي يصـل بـه إلـى ان يفقـد حريـة
اختياره في ارتكاب أو عدم ارتكاب ذلك السلوك.
ثالث�ا / نتيجـة لمـا سـبق، نبـذت المدرسـة الوضـعية، معظـم المفـاهيم الجنائيـة، السـائدة فـي عصـرها،
ونادت بمفاهيم جديدة ابرزها:-
أ- أنكرت مبدأ ” حرية الاختيار “، ونادت بمبدأ ” الحتمية أو الجبريـة “، الـذي يقـرر ان المجـرم،
ً فـي اختيـار سـلوكه، انمـا هـو مـدفوع إلـى هـذا

حينما يقدم على ارتكاب الجريمة لا يكـون حـرا
P2T) .1 (السلوك، بقوى حياتية وطبيعية واجتماعية لا قبل له بمقاومتهاTP265F2

ً
ً إنكار المسؤولية الأخلاقية للمجرم – ِّ بعـدها أساسـا

ب-وبالتسليم بحتمية الجريمة، يكون منطقيا
لتحديــد رد الفعــل الاجتمــاعي – وحلــت محلهــا نظــام جديــد للمســؤولية قــائم علــى أســاس
،ً
ً أو جنائيـا
المسـؤولية الاجتماعيـة أو القانونيـة. فـالمجرم غيـر مسـؤول عـن افعالـه، اخلاقيـا
انما مسؤوليته اجتماعية، لأنه كائن خطر يعيش ضمن المجتمع، لذا عليـه الخضـوع لتـدابير
P2T) .2 (هذا المجتمع لدرء خطرهTP26F2

ً عنها فكـرة

ً لفلسفة العقوبة، وقدمت بدلا

ج- كما رفضت المدرسة الوضعية، فكرة “الذنب”، أساسا
P2T ،بغية ايقاف هذه الخطورة وحماية المجتمع منها. (3″ (الخطورة الإجرامية “TP267F2

ً عنــه التــدابير

د- كــذلك انكــر ِّ ت نظــام “العقوبــة”، بعــده رد فعــل معــادل للجريمــة وقــدمت بــديلا
P2T) .4 (ِّ الاحترازية والتدابير الإصلاحية، بعده رد فعل مناسب لحالة المجرمTP268F2

ً من فعل الجريمة – تم تصـنيف

هـ- وفي ظل اهتمام المدرسة الوضعية بشخصية المجرم – بدلا
المجــرمين إلــى فئــات خمــس ( المجــرمين بــالميلاد – المجــرمين المحترفــون – المجــرمين
المجــانين – المجــرمين بالصــدفة – المجــرمين بالعاطفــة )، ووضــعت لكــل فئــة منهــا تــدابير
TP269F2تلائمها) 5) .P2T

راجع بوجه خاص موقف المدرسة الوضعية من مبدأ حرية الاختيار: (1 (

Ferri ( Enrico ), Ibid, P. 288.

سليمان عبد المنعم، مبادئ علم الجزاء الجنائي، المرجع السابق، ص 186) .2(
لمزيد من التفصيل حول موضوع الخطورة الإجرامية في مفهومها وتعريفها، انظر بصـفة خاصـة: محمـد شـلال حبيـب، (3 (
“الخطورة الاجرامية”، رسالة دكتوراه، كلية القانون، جامعة بغداد، 1979 ،ص16-25.
احمد عوض بلال، “علم الاجرام – النظرية العامة والتطبيقات –”، دار الثقافة العربية، ط1 ،القاهرة، 1985 ،ص63) .4 (
سليمان عبدالمنعم، “اصول علم الاجرام القانوني”، الجامعة الجديدة للنشر، القاهرة، 1994 ،ص224) .5 (

( 91 )
ً تؤكد المدرسة الوضعية، ضرورة توسيع السلطة التقديرية للقاضي، واسـتقلال القضـاء
و- وأخيرا

ً عـن الاهتمـام بالأشـخاص المهيـأين للإجـرام – ً نتيجـة

الجنائي، والغاء نظام المحلفـين، فضـلا
P2T) .1 (منطقية لنظام الخطورة الاجرامية – من قبل القضاء الجنائي والمجتمع على حد سواءTP270F2
الفرع الثاني / النقد الموجه لقرينة البراءة
كان للمبادئ التي قامت عليها المدرسة الوضعية، وللأفكار التي استندت اليها في بناء سياستها
الجنائية، الأثر البارز في سمات النقد الذي وجـه إلـى قرينـة البـراءة، بـل والـى النتـائج المترتبـة علـى
هذه القرينة في مجال الإجراءات والإثبات الجنائيين، نوجز تلك السمات في النقاط الآتية:-
ٕ أولا / صـرار، يكمـن
لعل النقد الأبرز لقرينة البراءة والذي تتمسك به المدرسة الوضـعية بقـوة وا

ً “، حيـث
بالنتيجـة التـي تقـرر بأنـه ” لا يمكـن تطبيـق قرينـة البـراءة علـى المتهمـين جميعـا
ينتقـد انصـار المدرسـة الوضـعية – بصـفة أساسـية – الطبيعـة المطلقـة لهـذه القرينـة عنـد
ً من تعارض هذا التطبيق مع الفكرة الأساسية التـي

تطبيقها في المحاكمة الجنائية، انطلاقا
نادت بها تلـك المدرسـة، وهـي فكـرة الاعتقـاد بوجـود انسـان مجـرم وآخـر غيـر مجـرم، علـى

2 يميل إلى الإجرامTP271F
ً

P2T) .2 (وفق توافر صفات معينة في الأول تجعله حتما

ً قبول تطبيق قرينة البراءة على الإنسان غيـر المجـرم، فإنـه مـن الخطـأ

فأن كان صحيحا
قبول هذا الامر علـى الإنسـان المجـرم، ومـع ذلـك فهنـاك فئـات مـن المجـرمين مـن الممكـن
افتراض براءتهم اثناء المحاكمة الجنائية، ولكن تطبيق المبـدأ بصـورة مطلقـة علـى الجميـع
فيه ضرر وخطر كبيرين على المجتمع.
وقـد ظهـرت تلـك النتيجـة واضـحة عنـد تطبيـق افكـار المدرسـة التقليديـة – حسـبما يقـرره
“فيـري” – ِ والتـي تركـزت فلسـفتها الجنائيـة نحـو الاهتمـام بالجريمـة دون المجـرم، فلـم تـع
ً اهمية التمييز بين فئات المجـرمين، فكانـت البـراءة مفترضـة للمتهمـين دون تمييـز،

جميعـا
P2T) .3 (مما افضى إلى نتائج عكسية مبالغ بها، لا تصب في مصلحة المجتمعTP27F2

فالرأي لـدى المدرسـة الوضـعية ان تطبيـق أصـل البـراءة فـي المحاكمـة الجنائيـة لا يكـون
ً – فيمـــا يتعلـــق بفئـــات المجـــرمين – إلا بالنســـبة لمجرمـــي الصـــدفة ومجرمـــي
صـــحيحا

208) .1 (عبود السراج، المرجع السابق، ص
184) .2 (انظر في هذا المعنى: عبود السراج، المرجع السابق، ص
انظر في هذا المعنى: (3(

Essaid ( M. J. ), “La Presomption d’innocence”, Ibid, P. 51.

( 92 )

TP273Fالعاطفة 2
2TP التـي تتصـف بـإجرام (المـيلاد، الجنـون، الاحتـراف) 274F P2T .ورفضـت تطبيقـه بالنسـبة إلـى بقيـة فئـات المجـرمين، وفسـرت ِّ ذلـك بعـد الفئـات (1(
P2T هـي فئـات الإجـرام مطبـوع فيهـا، ولا (2(
جدوى من صـلاحها، فهـؤلاء تتـوافر لـديهم احتمـالات الإجـرام أكثـر منهـا احتمـالات البـراءة،
ممـا يقتضـي اتخـاذ تـدابير احترازيـة فـي مـواجهتهم، لا ان توضـع موضـع العنايـة – التـي
تفرضها قرينة البـراءة ونتائجهـا – اثنـاء المحاكمـة الجنائيـة، بينمـا الامـر مختلـف بالنسـبة
للفئات التي تتصف بإجرام ( الصـدفة والعاطفـة )، فهـي فئـات لا يوجـد لـديها أي ميـل نحـو
الإجرام، أو ان الإجرام فيها عرضي، كما انها من الممكن اصلاحها، ومن ثم فهـي تسـتحق
P2T) .3 (ان تكون في موضع البراءة المفترضةTP275F2

ثانيا / يرى “فيـري” ان قرينـة البـراءة – علـى فـرض التسـليم بهـا – لا أثـر لهـا إلا عنـدما تكـون
ً فـي مرحلـة التحقيـق

الأدلة ضد المتهم ضعيفة أو افتراضية. أي انها قد تؤدي دورها كاملا
الابتدائي فقـط، وفـي الحـالات التـي لا يتـوافر فيهـا ضـد المـتهم قـرائن بسـيطة، ومـن ثـم إذا
المجرمــون بالصــدفة، هــم اشــخاص لا يتــوافر لــديهم الميــل الطبيعــي إلــى الاجــرام، ولكــنهم يتميــزون بضــعف الــوازع (1 (
ً – قـد الاخلاقي، وتنقصهم قوة مقاومة المؤثرات الخارجية، فأقل دفع إلى الجريمة – أو الميـل إلـى التقليـد

كـالفقر مـثلا

ً في اجرامهم.
يكون سببا
المجرمــون بالعاطفــة، هــم نــوع مــن المجــرمين بالصــدفة يتميــزون بمــزاجهم العصــبي وشــدة حساســيتهم، يرتكبــون
الجريمة بدون تفكير مسبق، وبعد ذلك يشعرون ويعودون إلى حالتهم الطبيعية.
انظر في ذلك، عمر السعيد رمضان، “دروس في علم الاجرام”، دار النهضة العربية، 1972 ،القاهرة، ص39.
المجرم بالميلاد، هو الشخص الذي يولد وهو مجرم بطبيعـة تكوينـه، يحمـل صـفات معينـة يتميـز بهـا وحـده عـن بـاقي (2(
البشر، ويحملها منذ اللحظة الأولى لتكونه، هذه الصفات تخلق لديه الاستعداد للاجرام.
المجرم المجنون، وهو الشخص المصاب بأمراض عقلية وراثية كانت ام غير وراثية.
المجرم المحترف، هـو الـذي يرتكـب الجريمـة نتيجـة ضـعف خلقـي ترافقـه ظـروف غيـر ملائمـة، ثـم يعـاود ارتكابهـا مـرة

ً ا

ً، ويجعـل ً من حياته، ومورد رزقه، فيكتسب بذلك اسـتعدادا
ثانية وثالثة، إلى ان تتمكن من نفسه، وتصبح جزء جراميـا

ً، لا يستطيع التحول عن طريق الجريمة.
ً محترفا
منه مجرما
انظر في ذلك/ عبود السراج، المرجع السابق، ص194 .احمد عوض بلال، المرجع السابق، ص65 .عمر السعيد
رمضان، المرجع السابق، ص38.
60) .3 (انظر في هذا المعنى: محمود محمود مصطفى، “الإثبات في المواد الجنائية”، الجزء الأول، المرجع السابق، ص
احمد فتحي سرور، “الوسيط في قانون الإجراءات الجنائية”، الجزء الأول، المرجع السابق، ص79.

( 93 )
كانت الجريمة في حالة تلبس، أو عندما يدلي المـتهم بـاعتراف تفصـيلي، فـإن تطبيـق هـذا
2 المبدأ يكون معدوم الاثرTP276F
(1) .P2T

ثالثا / يقول انصار المدرسة الوضعية، ان الواقع العملي اثبت فشل قرينة البراءة، إذ ان معظم
ً، إلى صدور احكام بالإدانـة ضـدهم، وعليـه فـإن تطبيقهـا

المتهمين، ينتهي بهم الامر دائما
في حقهم، هو في الحقيقة تطبيق لحصانة غير مرغوب فيها، تمنح للمجرمين، مما يسمح
ً
لهـؤلاء باحتقـار القـانون، ويشـجعهم علـى ارتكـاب الجريمـة، ولا ريـب ان ذلـك يشـكل ضـررا
للمجتمع ً TP27F2 وفسادا) 2) .P2T
جـدير بالـذكر ان هـذا الاعتـراض، لـم يكـن وليـد المدرسـة الوضـعية وحـدها، فقـد نـادى
P2T عندما قرر بأنه لمـا كانـت معظـم الـدعاوى (3 (بالمعنى ذاته من قبل الفقيه الانجليزي “بنتام”TP278F2
تقوم على أساس سليم، فإنها تشكل قرينة ذنب، فيكون على المـتهم – فـي هـذه الحالـة –
(4 (ان يثبت براءته من الاتهام الذي نسب اليهTP279F2

الفرع الثالث / النقد الموجه لقواعد الإجراءات الجنائية

المستوحاة من قرينة البراءة

انظر في هذا المعنى: (1 (

Ferri ( Enrico): Criminal Sociology, Ibid, P. 492.

123) .2 (انظر في هذا المعنى: احمد فتحي سرور، “الشرعية والإجراءات الجنائية”، المرجع السابق، ص
( جيرمي بنتام – Bentham Jeremy) ( 1748-1832 (هو الفقيه الجنائي والفيلسوف الانجليزي، وهو من (3 (
انصار المدرسة التقليدية، من اشهر كتيه الجنائية ( نظرية العقوبات والمكافآت).
عبود السراج، المرجع السابق، ص159 في الهامش.
33) .4 (محمد محي الدين عوض، “الإثبات بين الازدواج والوحدة”، المرجع السابق، ص

( 94 )
ً ان يـنعكس عـداء المدرسـة الوضـعية لقرينـة البـراءة علـى

فـي ضـوء مـا تقـدم، لـم يكـن مسـتغربا
قواعد الإجراءات الجنائية المستوحاة منها، ومن عدة نواحي:-
الناحية الأولى / انتقد مؤيدو المدرسة الوضعية امتداد قرينة البراءة، حتى بعد صدور حكم الإدانة
من محكمة الموضوع، واثناء نظـر الطعـن بالاسـتئناف أو التمييـز، بحيـث يتعـين كفالـة
ً عـن ان القيــود التـي وضــعها المشـرع بالنســبة

الحريـة الفرديـة للمــتهم خلالـه. فضــلا
P2T) .1 (للافراج المؤقت لا تراعي المصلحة العامة، لأ نها تركز على الفعل دون الفاعلTP280F2
الناحية الثانية / ينتقد “فيري” قاعدة عدم جـواز تشـديد العقـاب عـن الطعـن فـي الحكـم الصـادر مـن
محكمة الموضوع، إذا كان المحكوم عليه هو الطـاعن الوحيـد، ويـرى ان هـذه القاعـدة،
تتناقض مع منطق إباحة الطعن في الأحكام، فإذا كان ثمـة خطـأ قضـائي، قـد وقـع فـي
الحكم، فإنه يتعين اصـلاحه، بغـض النظـر، عمـا إذا كـان ذلـك فـي مصـلحة الطـاعن ام
TP281Fلا2
(2) .P2T

ً بالانتقـاد السـابق، ينتقـد ” فيـري” قاعـدة “عـدم جـواز اعـادة المحاكمـة” فـي

الناحية الثالثة / إتصالا

الأحكـام الصـادرة بـالبراءة، وقصـر هـذا الطريـق غيـر العـادي مـن طرائـق الطعـن، علـى
الأحكـام الصـادرة بالإدانـة وحـدها، ويقـول انـه إذا كـان ذلـك مفهومـا بالنسـبة للقضـايا
السياســية فــلا يمكــن قبولــه بالنســبة للمجــرم بــالميلاد، ويــر ى ان التســوية بــين نــوعي
الأحكام، هو النتيجة المنطقية للطعن في الحكـم بهـذا الوجـه، ثـم يضـيف نحـن لا نفهـم
لمــاذا نغــض النظــر عــن الأحكــام الصــادرة بــالبراءة، ولا نفعــل الشــيء ذاتــه، بالنســبة
للأحكام الصادرة بالإدانـة، ولمـاذا يتحمـل المجتمـع الأحكـام غيـر المسـتحقة بـالبراءة أو
P2T) .3 (التخفيف غير المستحق للمسؤولية الجنائيةTP28F2

ومن جهة أخرى انتقـد “لـومبروزو” القاعـدة التـي تقـرر انـه فـي حالـة الشـك حـول القصـد الجنـائي،
ً افتـراض ان الجـاني اراد

فإنـه يفتـرض ان الجـاني قـد تـوافر لديـه القصـد الأقـل جسـامة، إذ يجـب دائمـا
انظر في هذا المعنى: (1 (

Essaid ( M. S.), Ibid, P. 66.

495) .2 (انظر في هذا المعنى: السيد محمد حسن شريف، المرجع السابق، ص
(3) Ferri E., Ibid, P. 493.

( 95 )
ارتكـاب الجريمـة الادنـى جسـامة أو ضـررا – حسـب “لـومبروزو” – ان العكـس هـو الصـحيح ً، فـي حـين
بالنسبة للمجرمين بالميلاد، فالقانون هنا يأخذ بعكس الواقع الفعلي، ويهدد أمن المجتمع بالخطر.
ً إلى الفكـرة ذاتهـا – القاعـدة التـي تقـرر انـه فـي حالـة الشـروع فـي

كما ينتقد “لومبروزو” – استنادا
ارتكاب جـريمتين ذات جسـامة مختلفـة، يفتـرض فـي هـذه الحالـة ان المـتهم اراد ارتكـاب الجريمـة الأقـل
جسامة من بينهما، وهو ما يعـد ثغـرة قانونيـة – حسـب رايـه – حيـث يتمسـك القـانون بنظريـات مجـردة
P2T) .1 (ب 2 عيدة عن الواقع الفعليTP283F
الناحية الرابعة / ينتقـد أنصـار المدرسـة الوضـعية – بالنسـبة للـدول التـي تأخـذ بنظـام المحلفـين،
كالولايـات المتحـدة الأمريكيـة – القاعـدة التـي تقضـي بضـرورة الحكـم بـالبراءة عنـد
تعـادل الاصـوات، فيؤكـدون انهـا قاعـدة غيـر منطقيـة وغيـر عادلـة، لأنـه إذا كانـت
الإدانة غير اكيدة، فإن البراءة ليست اكيدة كذلك. ولهذا يطالبون بأن تتناسب قواعـد
الإجراءات الجنائية مـع فئـات المجـرمين، وبعبـارة أخـرى فـإن تعمـيم هـذا النقـد، يعنـي
P2T) .2 (رفض قاعدة تفسير الشك لصال 2 ح المتهمTP284F

المطلب الثاني

الرد على نقد المدرسة الوضعية لقرينة البراءة

معظم النقـد الـذي وجهتـه المدرسـة الوضـعية لقرينـة البـراءة أو للنتـائج المترتبـة عليهـا فـي اطـار
ً إلى بعض الأفكار الفلسفية التـي تقـوم عليهـا تلـك المدرسـة، لـذا كـان

الدعوى الجنائية، استند اساسا
معظم الرد – على هذا النقد من قبل الفقـه الجنـائي – قـد انبثـق وتبلـور مـن خـلال نقـد تلـك الأفكـار،
ً للرد على انتقادات المدرسة الوضـعية لقرينـة البـراءة، إذ اثـارت المدرسـة الوضـعية الإيطاليـة،
إنطلاقا
عاصفة من ردود الفعل، قلما اثارتها مدرسة أخرى، فهـي بقـدر مـا أحاطـت نفسـها بأنصـار ومؤيـدين،
ً◌َ ومعارضـين، وقـد كانـت أكثـر القضـايا عرضـة للنقـد هـي القضـية الاجتماعيـة،

البـت عليهـا خصـوما
فقليل هم الأشخاص الذين ايدوا فكرة المجرم النمو ذج أو مجرم الميلاد، والاعتقاد بوجود انسان مجـرم
بصورة حتميـة وآخـر غيـر مجـرم، إذ ان منطـق هـذه الفكـرة يـؤدي إلـى اعتقـاد مخطـئ بـأن المجـرمين

495 في الهامش. (1 (انظر في هذا: / السيد محمد حسن شريف، المرجع السابق، ص
(2) Ferri. E., Ibid, P.495

( 96 )

2 ينتمون إلى جنس مختلف عن ذلك الذي ينتمي اليه الأفراد العاديونTP285F

P2T .وعليه يمكن ايجاز الرد على (1(

تلك الانتقادات من خلال النقاط الآتية:-
أولا / ذكرنا ان الفكرة الأساسية في نقـد المدرسـة الوضـعية لقرينـة البـراءة انهـا تـرى ضـرورة التمييـز
بين فئات المجرمين، ورفض القرينة بالنسبة لبعضهم والاعتراف بها بالنسبة للبعض الآخر.
يرد على ذلك ان التمييز الذي تقول بـه المدرسـة الوضـعية لا يقـوم علـى أسـاس علمـي دقيـق،
ً عــن الصــعوبة الواقعيــة للتفرقــة بــين طوائــف المجــرمين. بــل حتــى لــو ســلمنا بصــحة هــذا
فضــلا
التصنيف، فإنه لا محل له إلا في مرحلة التفريد القضائي للعقوبة، بغرض اختيار المعاملة العقابية
P2T) .2 (المناسبة لإعادة تأهيل المجرم وا TP286F2ٕ صلاحه
امـا بالنسـبة لاثبـات الإدانـة ذاتهـا، فـإن مقتضـى قرينـة البـراءة ان تطبـق علـى الجميـع بـدون
تمييز، وبعبارة أخرى يجب ان يعامل الجميع على أسـاس انهـم ابريـاء إلـى ان تتقـرر الإدانـة. وهـذا
ً ان يكـون
ما يقتضيه مبدأ المساواة في تطبيق قواعد القانون، إذ ان القاعـدة القانونيـة يجـب دائمـا
لهـا صـفة العمـوم، فهـي تسـري علـى الكافـة، ولـو سـرنا فـي الاتجـاه الـذي يقـول بـه بعـض انصـار
المدرسة الوضعية، لوجدنا انفسنا امام وضع شاذ، حيث نكـون قـد جردنـا قاعـدة قانونيـة مـن صـفة
P2T عـن ان مـا تنـادي بـه المدرسـة الوضـعية، يعـد مصـادرة علـى المطلـوب إذ كيـف (3 (العموميةTP287F2

ً
. فضلا

نحدد ما إذا كان المتهم ينتمي إلى هذه الفئـة أو تلـك، بينمـا المطلـوب أولا اثبـات الإدانـة، ومـن ثـم
تأتي مرحلة تصنيف المجرمين، وعلى ذلك يتضـح فسـاد أسـاس التمييـز أو التفرقـة الـذي تقـول بـه
2 المدرسة الوضعيةTP28F

P2T ،إذ لا يصـح عدالة، ان تكون هنـاك قاعـدتان، و احـدة تفتـرض البـراءة بالنسـبة (4(
لفئة معينـة من المجرمين، واخرى تفترض الإدانة بالنسبة لفئة أخرى، لأن مجال انطباق كل قاعـدة
لا يمكن تحديده، إلا بعد صـدور حكـم قضـائي نهـائي يحـدد البـرئ والمـذنب، امـا قبـل صـدور الحكـم
P2T) .1 (فالجميع تفترض فيهم البراءة دون تمييزTP289F2

210) .1 (انظر في هذا المعنى: عبود السراج، المرجع السابق، ص
– احمد عوض بلال، المرجع السابق، ص70.

60) .2 (انظر في ذلك/ محمود محمود مصطفى، “الإثبات في المواد الجنائية”، المرجع السابق، ص
محمد محمد مصباح القاضي، المرجع السابق، ص46.
(3 (انظـر فـي هــذا المعنـى: آمـال عبـدالرحيم عثمـان، “الإثبـات الجنـائي ووســائل التحقيـق العلميـة”، مطبعـة دار الهنـا،
القاهرة، 1975 ،ص75 .احمد سعيد صوان، المر جع السابق، ص165.
(4 (انظر في هذا المعنى/ احمد فتحي سرور، “القانون الجنائي الدستوري”، المرجع السابق، ص254.
احمد فتحي سرور، “الشرعية الدستورية وحقوق الإنسان في الإجراءات الجنائية”، المرجع السابق، ص123.
(1 (احمد ادريس احمد، المرجع السابق، ص252.

( 97 )
وحتى على فرض التسليم بوجود آثار أو ندب بجسم المتهم، فإن ذلك لا يخرج عن كونه مجرد
ٕن كـان يمكـن ان تشـكل

إمارات أو قرائن بسيطة، لا تكفي لإقـرار قرينـة علـى الإدانـة بالنسـبة لـه. وا
حالـة خطـرة بالنسـبة للمجتمـع، وحينئـذ يجـوز اتخـاذ التـدابير الاحترازيـة ازاء مـن تـوفرت فيـه هـذه
TP290Fالحالة 2
(2) .P2T

ً فـي مرحلـة التحقيـق الابتـدائي فحسـب، فـلا

ثانيا / امـا القـول بـأن قرينـة البـراءة، تـؤدي دورهـا كـاملا
يمكن التسليم به، لأن ذلك معناه اعتبار الامر بإحالة المتهم إلـى المحاكمـة بمثابتـة حكـم بالإدانـة.
كمـا ان الاعتبـارات التـي أملـت وجـود قرينـة البـراءة مـا زالـت قائمـة، بـل تمـس الحاجـة اليهـا حيـث
2 المرحلة الحاسمة للدعوى الجنائيةTP291F
(3) .P2T

P2T – فـي حالـة (4 (ثالثا / اما قولهم 2 بأن قرينة البراءة تغدو عديمة الأثر، عندما تكون الجريمة مشـهودةTP29F
تلبس – أو عندما يدلي المتهم باعتراف تفصيلي، أو بعبارة أخرى عنـدما يسـفر التحقيـق معـه عـن
أدلة قوية ضده، فيرد عليه بالآتي:-
ً أ-
ان قرينة البراءة لا يهدمها سوى الحكم البات بالإدانة، وهذه الأدلة مهما بلغت قوتها، لا تعدل ابـدا
ً عـن ان تطبيـق هـذه القرينـة لا يقتصـر أثـره علـى إلـزام هيئـة الاتهـام بإثبـات

قوة ذلك الحكم. فضـلا

ً عـن ذلـك – معاملتـه علـى

وقوع الجريمة ونسـبتها إلـى المـتهم فحسـب، بـل يفـرض عليهـا – فضـلا

ً إلى ان الأصـل

ً لاشك فيه، وذلك استنادا

أساس انه برئ طيلة مدة الاتهام، وحتى تثبت ادانته ثبوتا
في الإنسان البراءة، و بعبارة أخرى، فـإن المبـدأ لا يهـيمن فقـط علـى مشـكلة توزيـع عـبء الإثبـات،
ٕ نمـا يهـيمن ايضـا علـى مشـكلة أخـرى فـي غايـة الخطـورة، هـي مشـكلة ضـمان الحريـة الفرديـة
وا
TP293F2للمتهم) 5) .P2T
ً إذ ان حالـة التلـبس مـا هـي إلا قرينـة بسـيطة علـى صـح بالاثبـات
ة الاتهـام، الـذي يبقـى مكلفـا
الجـازم مـن قبـل الادعـاء العـام، هـذا الإثبـات يتطلـب اثبـات الشـروط اللازمـة لقيـام الجريمـة كلهـا،

(2 (انظر في هذا المعنى: محمد محي الدين عوض، “الإثبات بين الازدواج والوحدة”، المرجع السابق، ص34.
(3 (السيد محمد حسن شريف، المرجع السابق، ص498.
(4 (تكون الجريمة مشهودة، “إذا شوهدت حال ارتكابها أو عقب ارتكابها ببرهة يسـيرة أو إذا اتبـع المجنـي عليـه مرتكبهـا
ً آلات أو اسـلحة أو

اثـر وقوعهـا أو تبعـه الجمهـور مـع الصـباح أو إذا وجـد مرتكبهـا بعـد وقوعهـا بوقـت قريـب حـاملا

ً اواشـياء أخـرى يسـتدل منهـا علـى انـه فاعـل أو شـريك فيهـا أو إذا وجـدت بـه فـي ذلـك الوقـت آثـار أو

أمتعة أو اوراقا
علامـات تـدل علـى ذلـك”. م1/ب مـن قـانون اصـول المحاكمـات الجزائيـة العراقـي رقـم 23 لسـنة 1971 .وتعـرف فـي
القانون المصري بالجريمة في حالة التلبس.
(5 (انظر في ذلك: احمد ادريس احمد، المرجع السابق، ص253.

( 98 )
ومســؤولية فاعلهــا، ومــن ثــم عــدم وجــود ســبب مــن أســباب الإباحــة، أو ســبب مــن أســباب عــدم
P2T) .1 (المسؤولية، أو الاعذار القانونية، فما التلبس إلا حالة تلا زم الجريمة نفسها لا شخص مرتكبهاTP294F2
ً له أهميته في الإثبات متـى صـدر

ب- أما فيما يتعلق باعتراف المتهم، فلا يجادل أحد في انه يعد دليلا

ً وعـن إرادة حـرة ومـن شـخص كامـل الأهليـة، إلا انـه لا يعـدو أن يكـون أحـد أدلـة
ً وصـادقا
صـريحا
الاتهام، ولأنه أصبح كغيـره مـن الأدلـة يخضـع لتقـدير المحكمـة التـي لهـا مطلـق الحريـة فـي تقـدير
صحة وقيمة الاعتراف على وفـق مـا يتكشـف لهـا مـن ظـروف الـدعوى، فـإن إطمـأن اليـه ضـميرها،

ً وحكمت ببراءة المتهم رغم اعترافهTP295F2
P2T) .2 (حكمت بمقتضاه، وان لم تطمئن إليه، طرحته جانبا
فليس معنى اعتراف المتهم بالتهمة المنسـوبة إليـه ان تكـون المحكمـة ملزمـة بـالحكم بالإدانـة، بـل
لها ان لم يكن من واجبها ان تتحقق مـن أن الاعتـراف الصـادر مـن المـتهم قـد تـوافرت فيـه شـروط
ً – كمـا استخلصـتها المحكمـة مـن تحقيقاتهـا ومـن P2T وماديـات الواقعـة (3 (صـحتهTP296F2
، وأن يكـون مطابقـا
الأوراق – فـالاعتراف المتنـاقض مـع حقيقـة الواقعـة، لا يصـح التعويـل عليـه، كمـا يجـب التأكـد مـن
التطابق النفسي للاعتراف من حيث اتجاه ارادة المعترف إلى اقتراف السـلوك الاجرامـي، ولـيس إلـى
P2T) .4 (مجرد تحمل المسؤوليةTP297F2

ومن ثم قبول الاعتراف – ِّ بعده احـد الأدلـة فحسـب – لـم يعـد مـن المسـلمات البديهيـة قبـل التحقـق
من شروط صحته ومطابقته المادية والنفسية مع الواقعة والمتهم. والقول بغيـر ذلـك، يـؤدي بنـا للعـودة
إلى الماضي – عندما كان يسود مذهب الإثبات المقيـد – ُّ إذ يعـد الاعتـراف سـيد الأدلـة. ومـن ثـم يغنـي
(1 (انظــر فــي تفصــيل ذلــك/ معــوص عبــدالتواب، “قــانون الإجــراءات الجنائيــة”، منشــأة المعــارف، الإســكندرية، 1987 ،
.150-115ص
– عيســى عبــداالله عيســى، “قــانون الإجــراءات الجنائيــة الجديــد”، ط1 ،مؤسســة ســعيد للطباعــة، طنطــا، ج.م.ع.،
.57-53ص، 1977
(2 (انظر في ذلك المعنى: سامي صادق الملا، “اعتراف المتهم”، ط2 ،المطبعة العالمية، القاهرة، 1975 ،ص84.
(3 (راجع في شروط صحة الاعتـراف: سـامي النصـراوي، “دراسـة فـي اصـول المحاكمـات الجزائيـة”، الجـزء الثـاني، مطبعـة
دار السلام، بغداد، 1976 ،ص132 ومابعدها.
– سامي صادق الملا، المرجع السابق، ص24 وما بعدها.
– محمد زكي ابو عامر، “الإثبات في المواد الجنائية”، ص193 ومابعدها.
(4 (انظر في هذا المعنى: محمد زكي ابـو عـامر، “الإجـراءات الجنائيـة”، دار المطبوعـات الجامعيـة، الإسـكندرية، 1984 ،
ص953.

( 99 )

TP298Fللادانـة 2
ً

P2T .امـا وقـد سـاد الآن (1 (المحكمـة فـي البحـث عـن أي دليـل آخـر، إذ كـان الاعتـراف وحـده كافيـا
ً مـن
ّ مذهب الإثبات الحر الذي تأخذ به معظم التشريعات الحديثة، فقد اصـبح الاعتـراف – ه عنصـرا
بعـد

عناصـر الاسـتدلال الـذي تملـك محكمـة الموضـوع الحريـة كاملـة فـي تقـدير صـحته ومـدى قيمتـه فـي
P2T) .2 (الإثبات ومن ثم قبوله من عدمه – وحده لا يكفي للإدانة، إلا بمعية أدلة أخرى تسنده وتؤكدهTP29F2
ومع ذلك، أجاز المشرع العراقي لمحكمة الموضوع ان تأخذ بـالاعتراف وحـده مـن دون الحاجـة إلـى
P2T ،وهـو بـلا شـك اتجـاه منتقـد مـن قبـل (3 (أدلة أخرى في الجرائم جميعها، ما عدا المعاقب عليها بالاعـدامTP30F2
ً مـع مفهـوم الإثبـا اكتفـاء المحكمـة فـي الحكـم

ّ الفقه العراقي، إذ يعد تناقضـا
ت فـي المـواد الجنائيـة، بعـد

علـى الاعتـراف وحـده دون اسـناده بادلـة أخـرى، إذ يبعـد الإثبـات عـن أساسـه الموضـوعي ويدخلـه فـي

ّ الاعتراف سيد الأدلة.

المفهوم القديم، القائم على عد
وفي ذلك تناقض وتعارض مع أصل المتهم من البراءة، كما ان قناعة المحكمة تستمد مـن الوقـائع
الموضوعية والظروف التي لها علاقة بالدعوى بصـورة تامـة وشـاملة، لا علـى مـدى مـا يتركـه اعتـراف
2 المتهم وحده من انطباع لدى المحكمةTP301F
(4) .P2T

وعليه يمكن القـول بأنـه مهمـا كانـت قـوة الأدلـة المستخلصـة مـن الجريمـة المشـهودة أو الاعتـراف
التفصـيلي للمــتهم، فإنهــا لا تعــد كافيــة لهــدم قرينــة البــراءة، التــي تبقــى مــا بقيــت حالــة عــدم الإدانــة
الجازمة، من خلال حكم قضائي بات.
رابعا / اما بالنسبة إلى قول المدرسة الوضعية بأن الواقع العملي قد اثبت دحض قرينة البـراءة، لأن
معظم المتهمين تتقرر ادانتهم في النهاية، فعلى فرض التسـليم بصـحة هـذا القـول، فهـو حجـة
عليهم وليست حجة لهم. ويمكن توضيح ذلك من ناحيتين:-

(1 (انظر في هذا المعنى/ حسن صادق المرصفاوي، “أصول الإجراءات الجنائية”، منشـأة المعـارف، الإسـكندرية، 1972 ،
ص795.
(2 (انظـر فـي ذلـك المعنـى: مـأمون سـلامة، “الإجـراءات الجنائيـة فـي التشـريع الليبـي”، الجـزء الثـاني، ط1 ،مطبعـة دار
الكتب، بيروت، 1971 ،ص181-182.
(3 (إذ تــنص م181/د مــن قــانون الاصــول الجزائيــة علــى انــه (( إذا اعتــرف المــتهم بالتهمــة الموجهــة اليــه، واقتنعــت
المحكمة بصحة اعترافه وبأنه يقدر نتائجه فتستمع إلى دفاعه وتصدر حكمها في الدعوى بلا حاجة إلى دلائل أخـرى.
إما إذا انكر التهمة أو لم يبد دفاعه أو انه طلب محكامته أو رأت المحكمة اعترافه مشـوب أو انـه لا يقـدر نتائجـه أو
)) ان الجريمة معاقب عليها بالاعدام فتجري محكامته عنها…
.

(4 (انظـر فـي هـذا المعنـى: سـامي النصـراوي، “دراسـة فـي اصـول المحاكمـات الجزائيـة”، الجـزء الثـاني، المرجـع السـابق،
ص139.

( 100 )
ً بـأن معظـم المتهمـين المقـدمين إلـى المحاكمـة تـتم

– فمن الناحية العملية – وفي حالـة التسـليم فعـلا
ادانتهم – فإن ذلك يعود إلى الالتزام بقرينة البراءة ونتائجها، من حيث الالتزام بدقة سـلطة الاتهـام
في عدم رفع الدعوى الجنائية على المتهم الا بناء على أدلة كافية، وأيضا مـن حيـث الالتـزام بدقـة
صحة الحكم، فـي عـدم إصـداره الا بنـاء علـى الجـزم واليقـين، وفـي كلتـا الحـالتين هـي دقـة معرضـة
للخطر، إذا ما انهار “الأصـل فـي الإنسـان البـراءة”، واصـبح مـن السـهل اتهـام الإنسـان علـى مجـرد
P2T) .1 (الشبهة أو ادانته على مجرد الشكTP302F2
– ومـن الناحيـة النظريـة، هـذا الاعتـراض للمدرسـة الوضـعية يـرد علـى ذاتـه بذاتـه، فهـم يقـرون بـأن
المتهمين معظمهم يدانون، وهذا إقرار بوجـود بعـض المتهمـين يقضـى ببـراءتهم ممـا يؤكـد افتـراض
براءتهم منذ توجيه الاتهام اليه. وهي حقيقة تؤكدها السوابق القضائية التي تـدل علـى ان متهمـين
كثيرين يوضـعون فـي موقـف الاتهـام وقـد يطـول تـوقيفهم، ثـم يقضـى ببـراءتهم، بـل قـد تظهـر ادلـة
P2T) .2 (البراءة بعد الحكم البات بالإدانة، من أجل ذلك تقرر امكانية الطعن بإعادة المحاكمةTP30F2
وعليه وعلى وفق منطق الأمور يجب التسليم بقيمة قرينة البـراءة، التـي تقتضـي مـن بـاب الحيطـة
ً علـى أسـاس انهـم ابريـاء حتـى انقضـاء

فـي الأقـل، ان لـم يكـن بالضـرورة، معاملـة المتهمـين جميعـا
المحاكمـة الجنائيـة بحكـم بـات، وخيـر للمجتمـع ان يفلـت مجـرم مـن العقـاب مـن ان يـدان بـريء، لأن
العدالة لا يؤذيهـا افـلات بعـض المـذنبين مـن العقـاب، بقـدر مـا يؤذيهـا ادانـة بـريء واحـد، لـذا كـان مـن
2 الاحوط ان يعامل المتهم على انه بريء منذ بدء الاتهام إلى نهاية المحاكمةTP304F
(3) .P2T

والقول بغير ذلك يعني معاملة المتهم على أسـاس انـه مـدان، بحجـة ان معظـم المتهمـين سيقضـى
بإدانتهم، ولا بأس – في منطق هؤلاء – ان يضحي المجتمع بالأبرياء في سبيل ادانـة المـذنبين، وهـذا
بلا شك قلب للاوضاع، وانتهاك لحرية الأبرياء، وامتهان لكرامة الإنسان، وهو منطق لا يقبله شـرع ولا
ديـن، ولا يتفـق إلا مـع الطـابع التسـلطي لأفكـار المدرسـة الوضـعية التـي تهمـل جانـب العدالـة، فتسـمح

(1 (انظر في هذا المعنى:
– احمد فتحي سرور، القانون الجنائي الدستوري، المرجع السابق، ص254.
– احمد فتحي سرور، الحماية الدستورية للحقوق والحريات، المرجع السابق، ص598.
– احمد فتحي سرور، الشرعية والإجراءات الجنائية، المرجع السابق، ص123.
– عبدالمجيــد محمــود مطلــوب، “الأصــل بــراءة المــتهم”، مــن ابحــاث النــدوة العلميــة الأولــى ( المــتهم وحقوقــه فــي
الشــريعة الإســلامية) – الخطــة الامنيــة الوقائيــة العربيــة الأولــى، المركــز العربــي للدراســات الامنيــة والتــدريب،
الرياض، 1986 ،ص240.
(2 (انظر في هذا المعنى: محمود محمود مصطفى، “الإثبات في المواد الجنائية”، ج1 ،المرجع السابق، ص56.
(3 (انظر في ذلك:- احمد سعيد صوان، قرينة البراءة وأهم نتائجها في المجال الجنائي، المرجع السابق، ص167.
– محمد محمد مصباح القاضي، حق الإنسان في محاكمة عادلة، المرجع السابق، ص46.

( 101 )
بملاحقة الإنسان لمجرد خطورته الاجتماعية، ولو لم يصدر من جانبه أي عمل اجرامي، بحجـة الـدفاع
2 عن المجتمعTP305F
(1)

خامسا / أن ما توجهه المدرسة الوضعية مـن انتقـادات إلـى قواعـد الإجـراءات الجنائيـة المستخلصـة
من قرينة البراءة، وترى فيها ضمانات مفرطة وحصانة مقدمة للمجرمين، يمكن الرد عليها من
ً وضع للمجرمين وحدهم، بل هو قانون الابريـاء

حيث ان قانون الإجراءات الجنائية ليس قانونا
أيضا، ومن ثم فهي ضمانات أو حصانات مقررة للناس كافـة، فإنـه إذا كانـت المصـلحة العامـة
تتحقق عند ادانة المجرمين ومعـاقبتهم، فـإن هـذه المصـلحة تتعـارض ايضـا مـع الاعتـداء علـى
ً علـى
حريات وحقوق الابرياء، والدفاع عـن هـذه الحريـات فـي مجـال اثبـات ا ّ لإدانـة لا يعـد قيـدا
المصــلحة العامــة، لأن المصــلحة المحميــة، وهــي الحريــة الشخصــية، مصــلحة تهــم المجتمــع
P2T) .2 (بأسره، ولا تقل أهميـة – بحـال مـن الأحـوال – 2 عـن المصـلحة العامـة فـي معاقبـة المجـرمينTP306F
وهذا المعنى هـو مـا عبـرت عنـه محكمـة الـنقض المصـرية فـي قولهـا (لا يضـير العدالـة إفـلات
مجرم من العقاب، بقدر ما يضيرها الافتئات على حرية الناس والقبض عليهم بـدون وجـه حـق
307F (2TP
(3) .P2T

ً – كمـا يعتقـد انصـارها – وانمـا

ً عن ذلك فإن ما تنادي به المدرسـة الوضـعية، لا يمثـل تقـدما
فضلا
ردة إلى الوراء حيث كان القانون القديم يحمـل المـتهم عـبء الإثبـات، عنـدما كـان الشـك يفسـر لصـالح
الاتهام، كما كان يسود الخلط بـين الإدانـة غيـر الثابتـة علـى نحـو يقينـي والادانـة المخففـة الامـر الـذي
افضى إلى وجود أنواع من الأحكام تتراوح بين الإدانة الثابتة والبراءة، والنتيجة المترتبة علـى ذلـك هـي
P2T) .1 (افتراض الإدانة في كل من تتحرك ضده الدعوى الجنائية، ومن ثم يعامل على هذا الأساسTP308F2

(1 (انظر في ذلك المعنى: احمد فتحي سرور، “الضمانات الدسـتورية للحريـة الشخصـية فـي الخصـومة الجنائيـة”، مجلـة
مصر المعاصرة، السنة 63 ،العدد 348 ،ابريل 1972 ،ص156.
(2 (احمد فتحي سرور، القانون الجنائي الدستوري، المرجع السابق، ص255.
(3 – (نقض في 21/10/1958 مجموعة الأحكام س9 رقم 206 ص839.
– نقض في 25/1/ 1965 مجموعة الأحكام س16 رقم 21 ص87.
– نقض في 21/1/ 1967 مجموعة الأحكام س18 رقم 24 ص128.
– نقض في 15/2/ 1984 مجموعة الأحكام س35 رقم 31 ص153.
(1 (انظر في ذلك المعنى: محمود نجيب حسني، شرح قانون الإجراءات الجنائية، المرجع السابق، ص792.

( 102 )
تبين لنا ممـا سـبق كيـف ان الاتجـاه المتطـرف للمدرسـة الوضـعية يـرفض قرينـة البـراءة علـى نحـو
مطلـق بالنسـبة لـبعض المجـرمين كـالمجرم بـالميلاد، والمجـرم المحتـرف، ويضـيق مـن نطاقهـا بالنسـبة
للبعض الآخر، سـواء أكـان ذلـك بقصـرها علـى مرحلـة التحقيـق الابتـدائي، وبشـرط الا يكـون ثمـة دلائـل
قوية قد اسفر عنها هذا التحقيق، أو برفضها في حالتي الجريمة المشـهودة وصـدور اعتـراف تفصـيلي
مـن المـتهم. كمـا رفـض هـذا الاتجـاه آثارهـا فـي شـأن قواعـد الإجـراءات الجنائيـة المسـتمدة مـن قرينـة
البراءة، ويرون انها مفرطة، وتقدم حصانة للمجرمين مما يمثل خطورة كبيرة على المجتمع.
وقـد أوضــحنا فسـاد الأســاس الـذي تنطلــق منـه المدرســة الوضـعية، وهــو تقسـيم المجــرمين – أو
ً عمـا يعـوزه مـن سـند علمـي سـليم، فهـو يـؤدي إلـى ايجـاد

بالاحرى المتهمين – إلى فئات معينة، فضلا
قانون للإجراءات الجنائية يتناسب مع كل فئة منها، وهو مـا يتنـاقض مـع خصـائص القاعـدة القانونيـة
وما يجب ان تتسم به من عمومية وتجريد.
كما بينا ان قرينة البراءة لا يدحضها شيء سوى الحكم البات الصادر بالإدانـة ومـن ثـم لـيس لعـدد
أو نوع الأدلة من اثـر يـذكر علـى بقائهـا واسـتمرارها وأهميتهـا حتـى نهايـة المحاكمـة، سـواء كانـت تلـك
الأدلة من خلال الجريمة المشهودة أو باعتراف المتهم ذاته.

ً خطـورة الأفكـار التـي تنـادي بهـا المدر سـة

مـن ذلـك كلـه، يمكـن القـول أن التجربـة قـد أثبتـت فعـلا
الوضعية – في هـذا الشـأن – علـى حقـوق وحريـات المـتهم فـي الـدعوى الجنائيـة. فـاذا كـان تقبـل تلـك
الأفكار فيما مضى امر وارد، فمن غير المتصور تقبلها في ظل القوانين الحديثة وفي بـلاد يحتـرم فيهـا
الإنسان.

المبحث الثاني

مذهب الفقه الجنائي الرافض لقرينة البراءة

( 103 )

– تمهيد وتقسيم:

ً أقـل حـدة اعتـرف

إزاء رفض الانتقادات الشديدة التي وجهتها المدرسة الوضعية، فإن ثمة اتجاها
بقرينـة البـراءة، ولكنـه فـي الوقـت نفسـه انتقـدها تـارة بالاسـتناد إلـى ان الواقـع العملـي يكـذبها، وتـارة

ً عنها.
أخرى بتفسير قواعد الإثبات والحكم الجنائيين بعيدا
إذ بـالرغم مـن إقـرار بعـض أوجـه النقـد هـذه بأصـل المـتهم مـن البـراءة، الا انهـا فـي الوقـت ذاتـه
ّ قرينـة
رفضت التطبيق العملي لها، سواء برفضها للنتائج المترتبـة علـى هـذا الأصـل، أو برفضـها عـد
البراءة الضمان الحقيقـي لحمايـة حقـوق وحريـات المـتهم فـي المحاكمـة الجنائيـة، مـن خـلال محاولـة
قطع الصلة بين هذه القرينة وتلك النتائج.
بيـد ان معظـم الفقـه الجنـائي رفـض تلـك الانتقـادات، ورد علـى كـل منهـا بمـا يعـزز احتـرام قاعـدة
الأصل في المتهم البراءة من قبل السلطات المعنية بالدعوى الجنائية، وذلك من خـلال تأكيـد ضـرورة
النص عليها، سواء في الدستور أو في قانون الإجراءات الجنائية.
وعلى ذلك، سنتناول مذهب بعض الفقه الجنائي في رفض قرينة البراءة والرد عليه في مطلبـين،
نخصص الأول لجوانب النقد الموجهة إلى قرينة البراءة مـن بعـض الفقـه الجنـائي، بينمـا نتنـاول فـي
الثاني الرد على تلك الانتقادات.
المطلب الأول / نقد الفقه الجنائي لقرينة البراءة
المطلب الثاني / الرد على نقد الفقه الجنائي لقرينة البراءة

المطلب الأول

( 104 )

نقد الفقه الجنائي لقرينة البراءة

تمهيد:
وجه بعض الفقه الجنائي النقد إلى قرينة البراءة، حيـث تركـز فـي مجملـه حـول نتائجهـا، وبشـكل
خاص حول عدم وجود صلة حقيقية بين قر ينة البراءة وبين الضمانات المقررة لحماية المتهم، سواء
ما تعلق منها بالحرية الشخصية للمتهم، أو بعملية الإثبات الجنائي، أو بقواعد الحكم الجنائي. وبعد
سرد هذا النقد خلص هذا الاتجاه إلى وضع تصـور خـاص للنتـائج المحتملـة للتطبيـق العملـي لقرينـة
البراءة، ثم انتهى إلى رأي حول طبيعة علاقة المتهم بالدعوى الجنائية، اقترح فيه الإقرار بعدم وجـود
مبــرر قــانوني أو منطقــي ســواء لافتــراض البــراءة أو لافتــراض الإدانــة فــي المــتهم اثنــاء المحاكمــة
َّ الجنائية. حتى صدور حكم بات يحدد من خلاله عد المتهم بريء ام مذنب.
بناء على ذلك نبحث ابرز تلك الجوانب الانتقادية وما خلصت اليه مـن اقتـراح فـي فـروع خمسـة،
وعلى الوجه الآتي:_
الفرع الأول / النقد المتعلق بالحرية الشخصية للمتهم.
الفرع الثاني / النقد المتعلق بقواعد الإثبات الجنائي.
الفرع الثالث / النقد المتعلق بقواعد الحكم الجنائي.
الفرع الرابع / تصور الاتجاه النقدي، للنتائج المحتملة لتطبيق قرينة البراءة
الفرع الخامس / اقتراح الاتجاه النقدي المتعلق بمركز المتهم في الدعوى الجنائية.

الفرع الأول / النقد المتعلق بالحرية الشخصية للمتهم
على الرغم من ان معظم اوجه النقد في هذا الجانب قد تمثلت في محاولة قطع الصلة بين قرينة
البراءة وبين ضمانات الحرية الشخصـية للمـتهم، فقـد ظهـر مـن ينـادي بـرفض بعـض تلـك الضـمانات

اساسا
ِّ إذ يــرفض أحــد الفقهــاء الجنــائيين بشــدة القاعــدة التــي يجيــز للمــتهم حــق الصــمت، بعــدها مــن
القواعـد الضـارة وغيـر المنطقيـة التـي عرفـت طريقهـا إلـى القـانون الجنـائي، لأن المـتهم الـذي يـؤثر
الصمت على الكلام يتسبب في ذلك بخلق نوع من الاحساس بعدم وجود ما يستطيع تقديمه من ادلـة

( 105 )
تنفي ما يحيط به من ادلة الاتهام، وان سكوته قرينة ضده، ولو كان لديه ما يدفع عنه التهمة لتكلم
P2T) .1 (استجابة لغريزة الدفاع عن النفس والبقاء2TP 309F
إلا ان اكثر النقد بهذا الجانب يتمثل في الرأي الذي يؤكد أن الصلة مقطوعة – لاسيما في الوقت
الحاضر- بين قرينـة البـراءة وضـمانات ِّ الحريـة الشخصـية للمـتهم، بعـد ان هـذه الضـمانات إذا كانـت
ً في قرينـة البـراءة، فإنهـا ترجـع فـي الوقـت الحـالي إلـى مبـادئ القـانون الجنـائي

تجد تفسيرها تاريخيا

ً منهم ذهب إلى القول بأن هذه الضـمانات

الحديث التي تهتم بالانسان وحقوقه وحرياته، بل ان جانبا
P2T) .2 (والحقوق المقررة للم ٕ تهم لا ترجع إلى قرينة البراءة، وانما إلى كونه متهم فقطTP310F2
واستندوا في تبرير وتأكيد قولهم هذا إلى عدة حجج ابرزها يدور حـول فكـرة التنـاقض بـين قرينـة
ً البـراءة وبــين الإجـراءات ، فلمــاذا الضــبط

الجبريــة المسيســة بحريـة المــتهم، فـاذا كــان المــتهم بريئـا

والاحضـار والقـبض، والاسـتجواب، بـل والتوقيـف (الاحتيـاطي) وغيرهـا مـن الإجـراءات التـي تتخـذ فـي
ً مـع وصـف البـراءة للمـتهم. ومـن ثـم إذا سـلمنا بهـذا

مرحلة التحقيـق الابتـدائي والتـي تتعـارض تمامـا
الوصف أي بفكرة افتراض البـراءة، اصـبحت هـذه الإجـراءات علـى غيـر سـند مـن القـانون أو المنطـق
ً مـع واقعـة الاتهـام ذاتهـا، وان نعـت المـتهم بأنـه بـريء،

السليم، بل ان هذا الافتراض يتعارض اساسا

2 لكل المعاني القانونية والمنطقيةTP31F
ً

P2T) .3 (رغم توجيه التهمة اليه واتخاذ هذه الإجراءات ضده، يمثل قلبا

الفرع الثاني / النقد المتعلق بقواعد الإثبات الجنائي
فيما يتعلق بعملية الإثبات، تمثلت معارضة قرينة البراءة في رفض بعض الفقه الجنـائي القاعـدة
التي تقرر ان عبء الإثبات يقع على عاتق الاتهام، بحجة انها قاعدة مجحفة وغير واقعية ولا مبرر
P2T) .4 (لها، وقد ترتب عليها إفلات الكثير من المجرمين من يد العدالةTP312F2

انظر فـي هـذا المعنـى: سـعد حمـاد صـالح القبـائلي، “ضـمانات حـق المـتهم فـي الـدفاع امـام القضـاء الجنـائي”، دراسـة (1 (
مقارنة، ط1 ،دار النهضة العربية، القاهرة، 1998 ،ص397.
76) .2 (انظر في ذلك: آمال عثمان، الإثبات لجنائي ووسائل التحقيق العلمية، المرجع السابق، ص
502) .3 (انظر في هذا المعنى: السيد محمد حسن شريف، المرجع السابق، ص
(4)
Lalita Rajapakse, ” Is a Presumption of Guilt or of Innocence of an Accused in
Acriminal Case, Necessary?”- The Ceylon Law Society Journal, Vol.10, No.2, 1972,
P.11.

مشار اليه لدى: احمد ادريس احمد، المرجع السابق، ص262.

( 106 )
– كما تمثلـت تلـك المعارضـة – رغـم الاعتـراف بتلـك القاعـدة – فـي رفـض وجـود أي ارتبـاط بـين
قرينـة البـراءة والقـاء عـبء الإثبـات علـى عـاتق سـلطة الاتهـام، وبعبـارة أخـرى رفـض الاعتـراف بـأن
ً إلى القول بـأن قواعـد الإثبـات

تحميل الاتهام عبء الإثبات هو نتيجة لإفتراض براءة المتهم، استنادا
ً إنما تتفق مع طبيعة الخصومة الجنائية، فهي تكفي بذاتها دونما حاجة إلى تفسيرها بـالرجوع
عموما
31F 2TPالبراءة ماهية إلى) 1) .P2T

الفرع الثالث / النقد المتعلق بقواعد الحكم الجنائي
كما توجه النقد إلـى ضـمانات حمايـة المـتهم المتصـلة بحريتـه الشخصـية، وبعمليـة الإثبـات، نـال
الاعتراض أيضا القواعد المتصلة بـالحكم الجنـائي، ولاسـيما قاعـدة بنـاء الإدانـة علـى الجـزم واليقـين،
ومن قبلها مبدأ تفسير الشـك لمصـلحة المـتهم، فظهـر مـن ينـادي بأنـه لـيس هنـاك أي سـبب معقـول
للقول بتفسير الشك لصالح المتهم، بل المنطق – على وفق رأيـه – يقتضـي ان يفسـر الشـك لصـالح
قضية الشخص القتيل، وليس لصالح الجاني الذي على قيد الحياة، بل إذا دفع المتهم، بأنه كان في
ً بإن اثبات هذا يقع علـى عـاتق المـتهم، ثـم ثـار

حالة دفاع شرعي عن النفس، واتخذت المحكمة قرارا
شـك معقـول عمـا اذا كـان المـتهم فـي حالـة دفـاع شـرعي حقيقـة ام لا، فهـو لايسـتحق ان يفسـر هـذا
الشـك لصـالحه، وبالتـالي لا يقضـى ببراءتـه، حتـى وان أيـد الاتهـام صـحة التمسـك بالـدفع مـن جانـب
TP314F2الدفاع) 2) .P2T
اما الجانب الآخر من المعترضـين علـى قرينـة البـراءة، يقـرون بوجـود حمايـة توجبهـا التشـريعات
المختلفة طيلة مدة التحقيق والمحاكمة، ولاسيما الحماية التـي تفرضـها قاعـدة الشـك يفسـر لمصـلحة
المتهم، الا انهم يبررون تلك الحماية لا بسبب افتراض بـراءة المـتهم، بـل لأن الإدانـة يجـب ان تبنـى
على الاقتناع اليقيني، وان ذلك انما يعود إلى اعتبارات العدالة، التي تأبى ان تبنى الإدانة على الظن
ً إلـى ادانـة ليسـت ثابتـة علـى وجـه يقينـي، فالمبـادئ

والاحتمال، وان توقع الجزاءات الجنائية، استنادا
2 العامة التي تحكم الخصومة الجنائية هي التي فرضت هذه القواعدTP315F
(3)

فالقاضي الجنائي – عند تطبيقه للنص الجنـائي – تواجهـه مصـلحتان، الأولـى مصـلحة المجتمـع
ً، علـى
في توقيع العقاب، والثانية حماية المتهم، ويحمـي قـانون الإجـراءات الجنائيـة المصـلحتين معـا

انظر في هذا المعنى: آمال عثمان، “الإثبات الجنائي ووسائل التحقيق العلمية”، المرجع السابق، ص77) .1 (
(2) Lolita Rajapaske, Ibid, P. 11, 13.
77) .3 (آمال عثمان، المرجع السابق، ص

( 107 )
قدم المساواة، ومن ثم فعليه الا يغلب احداهما على الأخرى إلا حيث يوجد نص يقضي بـذلك، امـا إذا
2 لم يوجد مثل هذا النص، فيتعين ترجيح مصلحة المتهم في حماية حريته الفرديةTP316F
(4) .P2T

الفرع الرابع / تصور الاتجاه النقدي للنتائج المحتملة لتطبيق قرينة البراءة
ً للنتـائج القانونيـة والاجتماعيـة المحتملـة لتطبيـق قرينـة
ً خاصـا
وضع بعض الفقه الجنائي تصـورا
البراءة في المحاكمة الجنائيـة، يبـدأ هـذا التصـور مـن حيـث ان تلـك القرينـة تمـنح المجـرمين حريـات
وحقوق اكثر من اللازم، مما يضعف جانب الاتهام ويقوي جانب الإجرام، وبعبارة أخرى يؤدي افتراض
ً مـن الحصـانة غيـر المرغـوب فيهـا، ممـا يضـر

البـراءة فـي المـتهم إلـى ان يكتسـب المجرمـون نوعـا
TP317Fبالمجتمع 2
(1) .P2T
ً – إلـى ضـرر مـزدوج للمجتمـع، إذ ان تلك الحصانة الشرعية –

ً أي المسندة قانونا
ستفضي حتما

مــن حيــث انهــا عامــل مشــجع أو محفــز لارتكــاب الجريمــة، نتيجــة لاســتخفاف المجــرمين بالقــانون
والقضاء، ومن حيث انها تؤدي إلى افلات العديد من المجرمين من يد العدالة، نتيجة للنتائج العملية
لأصل البراءة في مختلف مراحل الـدعوى الجنائيـة. لـذلك يهـاجم هـذا الاتجـاه – وبشـدة – المقولـة أو
القاعدة التي طالما رددها الفقه والقضاء بمناسبة تبرير تطبيق قرينة البـراءة، بـأن “إفـلات مجـرم مـن
ً”، بحجة ان إفلات مجرم من العقاب يترتـب عليـه

العقاب خير للعدالة من إدانة شخص قد يكون بريئا
انتشار ضرر يعم المجتمع بأسره، في حين ان الظلـم الـذي يقـع علـى بـرئ انمـا يقتصــر عليـه وحـده.
ً- بعقـاب الأبريـاء

لأن المجتمع الذي يريـد ان يحقـق الامـن والسـلامة لنفسـه لابـد وان يقبـل –مضـطرا
خطأ. ذلك انه – ٍ علـى وفـق منطـق هـذا الـرأي – إذا اسـتحال تمييـز الخبيـث مـن الطيـب – أي تمييـز
المجـرم عـن البـرئ – دون حـدوث ضـرر بـالغ للمجتمـع، فـإن البـرئ – يجـب ان يضـحى بـه مـن اجـل
P2T) .2 (مصلحة المجتمع” فخير الشعب هو القانون الاعلى”TP318F2
المرجع السابق نفسه، ص74) .4 (
انظر في هذا المعنى: (1(
– محمد محمد مصباح القاضي، “حق الإنسان في محاكمة عادلة”، المرجع السابق، ص46.
– احمد فتحي سرور، “القانون الجنائي الدستوري”، المرجع السابق، ص254.
– احمد سعيد صوان، المرجع السابق، ص166.
(2)
Devlin P., “The Criminal Prosecution in England”, London, Oxford University
Press, 1960, P.13.

( 108 )
ويضيف بعض انصـار هـذا الـرأي، ان مـا اتجهـت اليـه القـوانين الوضـعية فـي تبرئـة المـتهم حتـى
ّ تثبـت ادانتـه، كـان لـه اثـره الملمـوس فـ الإجـرام حرفـة ينخـرط فـي

ي تفشـي الجريمـة وانتشـارها، وعـد

سـلكها كـل مـن يسـتهين بـالقيم والأخـلاق، ممـا كـان لـه مـردوده وخلفياتـه فـي اضـطراب الامـن وتعـدد
الجرائم، وضياع الكثير من الحقوق في الأنفس والأعراض والأموال، إذ ان الإنسان تحت سلطان هذه
P2T) .1 (القوانين لا يأمن على حقوقه في الحياة مهما كان واينما كانTP319F2
ويفند البعض الآخر ما يؤكدونه من عدم جدوى تطبيـق هـذا المبـدأ فـي الوقـت الحاضـر، فـي انـه
إذا كان لـه مـا يبـرر وجـوده فـي الماضـي، فلـيس هنـاك أي مبـرر عملـي لتطبيقـه الآن، وأيـة ذلـك ان
المتهم كان يلقى معاملة قاسية في ظل القانون القديم الـذي كـان يفتـرض الإدانـة فـي المـتهم، ولـذلك
كـان ميـزان العدالـة يميـل إلـى جانـب الاتهـام وضـد الـدفاع، وكـرد فعـل لتلـك المسـاوئ ظهـرت قرينـة
ً كثيـرة، تفـوق بكثيـر

ً لصالح الـدفاع، حتـى نـال المـتهم حقوقـا

البراءة، وبدأ مركز الثقل يتحول تدريجيا
2 حقوق المجني عليه أو المضرور من الجريمةTP320F
(2) .P2T

حتى بات من البديهيات ان يقبض على المتهم بالقتل أو السـرقة أو انتهـاك الاعـراض أو الرشـوة
ً فـي ظـل جـرائم مشـهودة أو يصـاحب الاتهـام مـا يقـوي بـه الادعـاء، ثـم تـأتي

أو الاخـتلاس، واحيانـا
القـوانين الوضـعية وبحجـة العدالـة الديمقراطيـة والحضـارة الإنسـانية والحريـات الفرديـة وتحـت شـعار
P2T) .3″ (المتهم برئ حتى تثبت ادانته” لتبرأه من أية تهمة بدعوى ان الشك يفسر لمصلحتهTP321F2

الف�رع الخ�امس / تص�ور الاتج�اه النق�دي المتعل�ق بمرك�ز الم�تهم ف�ي ال�دعوى
الجنائية

ً
ّا
خلص الاتجاه المعارض لقرينة البراءة إلى عدة نتائج أو بالأحرى استنتاجات، انتهى اليها، معـد
ً – سنده فيما اقترحه في النهايـة حـول علاقـة المـتهم بتلـك القرينـة، نوجزهـا إياها – عما سبق
فضلا
بالنقاط الآتية:-
أولا/ ان تطبيـق قرينـة البـراءة قـد أدى أو سـيؤدي إلـى ظهـور قـوانين اجرائيـة، لا تكفـل قاعـدة
التوازن بـين حقـوق المـتهم وحقـوق المجنـى عليـه المتضـرر مـن الجريمـة، لأنهـا لا ترعـى
عبداالله سليمان المنيع، “نظرية براءة المتهم حتى تثبت ادانته”، من ابحاث الندوة العلمية الأولى (المـتهم وحقوقـه فـي (1 (
الشـريعة الإسـلامية)، الخطـة الامنيـة الوقائيـة العربيـة الأولـى، المركـز العربـي للدراسـات الامنيـة والتـدريب، الريـاض،
.281ص، 1986
انظر في ذلك: احمد ادر يس احمد، المرجع السابق، ص261) .2(
281) .3 (انظر في هذا المعنى: عبداالله سليمان المنيع، المرجع السابق، ص

( 109 )
ً للأوضـاع المنطقيـة، فـاذا

سوى مصلحة المتهم وتهمل جانب الضـحية، وهـو مـا يمثـل قلبـا
كان الغرض الأساسي لقرينة البراءة هـو الحيلولـة دون خضـوع المـتهم لمعاملـة تماثـل تلـك
التي يخضع لها المحكوم عليه؛ فإن هذا الغرض قد كفله الآن القانون الجنائي الحديث، إذ
ان هذا القانون لم يعد – كما كان في الماضي – غرضـه العقـاب وحـده، انمـا اصـبح يغلـب
ً – مـن بـاب أولـى – علـى

عليـه تأهيـل واصـلاح المحكـوم عليـه، وهـو مـا يـنعكس ايجابـا
TP32F2المتهم) 1) .P2T

ً للمتهم، فهي لا تسعى نحو الإدانة بقدر ما تسعى
ً حقيقيا
ثانيا/ ان سلطة الاتهام لم تعد خصما
إلى كشف الحقيقة سواء كانـت لصـالح المـتهم ام ضـده، وتهـدف إلـى اصـدار حكـم قضـائي
P2T .ممـا يترتـب عليـه تحقيـق (2 (مطـابق للقـانون سـواء تمثـل ذلـك بإدانـة المـتهم ام ببراءتـهTP32F2
المساواة بين الادعاء والمتهم، من دون حاجة للنص على مبدأ البراءة.

ثالثا/ أصبح من المسلم به امكانية ورود الخطأ في مختلف مراحل الدعوى الجنائيـة، لـذا أجـاز
القـانون طرائـق لتصـحيح مـا قـد يترتـب عليهـا مـن غـبن بالنسـبة للمـتهم، فـاذا جـاء حكـم
محكمـة الموضـوع بعيـدا ائق العاديـة، الوسـيلة المناسـبة ً عـن الصـواب، كـان الطعـن بـالطر
لتلافـي مـا اشـتمل عليـه مـن مثالـب. امـا لـو جـاء حكـم محكمـة التمييـز فـي غيـر محلــه
الصحيح، كان الطعن بـالطريق غيـر العـادي، الحـل العـادل والأقـرب لإبـراز الحقيقـة الواقعيـة
وهـي الغايـة الأساسـية للقضـاء الجنـائي، وهـو مـا يضـعف بالنهايـة فـرص الوقـوع بالخطـأ
P2T) .3 (بالنسبة للمتهم البرئTP324F2

وبناء على ذلك كله اقتـرح الـبعض مـن انصـار هـذا الاتجـاه تقريـر أو انشـاء وضـع محايـد للمـتهم،
ً
ّ وذلك باتباع طريق وسطي ا المتهم بريئا

كثر عدالة، من خلال الاستغناء عن أي افتراض، أي بعدم عد

ّ مـن
ً اثناء الدعوى الجنائية، فلا يتمتـع خلالهـا بأيـة قرينـة سـواء علـى البـراءة أو الإدانـة. بعـد
أو مذنبا
انظر في ذلك: السيد محمد حسن شريف، المرجع السابق، ص502) .1 (
انظر في هذا المعنى: (2(
– عبدالامير العكيلي، سليم حربة، “شرح قانون أصول المحاكمات الجزائية”، الجزء الأول، بغداد، 1978 ،ص73.
– حسن صادق المرصفاوي، “اصول الإجراءات الجنائية”، المرجع السابق، ص55.
انظر في هذا المعنى: جميل عبـدالباقي الصـغير، “طـرق الطعـن فـي الأحكـام الجنائيـة”، دار النهضـة العربيـة، القـاهرة، (3(
.3ص، 1993

( 110 )
يخضع لإجراءات التحقيق أو المحاكمة، من الأوفق ألا يقال انه برئ أو مذنب – على حد سواء – قبـل
انتهاء هذه الإجراءات التي تحدد مركزه الحقيقي، إذ ان وصـف المـتهم بأنـه بـرئ أو مـذنب لا يمكـن ان
P2T) .4 (يكون بصورة محددة، الا بعد صدور الحكم الذي يفصل في الخصومة الجنائيةTP325F2
كما ان التمسك بافتراض البراءة من شأنه ان يميل كفة العدالة لصالح الدفاع على حساب الاتهام،
في حين ان التمسك بافتراض الإدانـة مـن شـأنه ان يعكـس هـذه النتيجـة لصـالح الاتهـام، ومـن ثـم فـإن
الوضع المحايد للمتهم هو الوسيلة الوحيدة لحفظ التوازن بـين المصـلحتين الفرديـة والعامـة، وذلـك مـن
(1 (خلال الاستغناء عن أية قرينةTP326F2

المطلب الثاني

الرد على نقد الفقه الجنائي لقرينة البراءة

– تمهيد وتقسيم:-
على الرغم من تأكيد معظم الفقه الجنائي أهمية تطبيق قرينة البـراءة ودور هـا فـي تحقيـق العدالـة
ِّ الجنائية بعدها احد أركان الشرعية الجنائية. والنص عليها في التشريعات الأساسية للدول سـواء فـي
دساتيرها أو في قوانينها الجنائية، والاعتراف بها في مختلف القوانين والاعلانـات والمواثيـق الدوليـة،
على الرغم من ذلك لم تسلم قرينة البراءة من النقد على النحو السابق بيانه.

ً ِّ إياه، بعـد التسـليم بـه لا يعـدو ان يكـون عـودة

بيد ان أغلب الفقه الجنائي، فند ذلك النقد، رافضا
إلى الوراء، بصورته القتماء المجهضة لحقوق وحريات الافراد، في الوقت الذي تعد فيه قرينة البراءة
دليل الرقي والحضارة.
على هدى ذلك، نبحث الرد على نقد الفقه الجنائي الرافض لقرينة البراءة في فروع خمسة:-
الفرع الأول / الرد على النقد المتعلق بالحرية الشخصية للمتهم.
الفرع الثاني / الرد على النقد المتعلق بقواعد الإثبات الجنائي
الفرع الثالث / الرد على النقد المتعلق بقواعد الحكم الجنائي
الفرع الرابع / الرد على تصور الاتجاه النقدي
الفرع الخامس / الرد على اقتراح الاتجاه النقدي.

76) .4 (انظر في هذا المعنى: آمال عثمان، “الإثبات الجنائي ووسائل التحقيق العلمية”، المرجع السابق، ص
266)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *