وقف تنفيذ القرارات الإدارية - المدونة

وقف تنفيذ القرارات الإدارية – المدونة

ورقة بحثية بعنوان :
تعريف نظام وقف تنفيذ القرارات الإدارية.
( في ضوء أحكام مجلس الدولة المصري )

المستشار / أحمد أرحب مفتاح
المستشار المساعد (ب)

عضو المحكمة التأديبية بالبحيرة

مقدمة

إن الجهة الإدارية و هي بصدد إدارة المرافق العامة تتمتع بسلطات واسعة تمكنها من القيام بوظائفها و إدارة تلك المرافق بانتظام و اضطراد ، و هي في سبيل ذلك لها أن تتخذ أحد أمرين أما الأعمال المادية أو الأعمال القانونية .
فالبنسبة للأعمال المادية : فهي ما تعرف بالأعمال التي تقوم بها جهة الإدارة دون قصد ترتيب أي اثر قانوني بناء عليها ، أما الأعمال القانونية فتنقسم إلي أمرين أولهما ما تتخذة جهة الإدارة بإرادتها المنفردة و تقصد به ترتيب أثر قانوني معين و هو يتمثل في القرارات الإدارية ، ثانيهما ما تتخذه بالاشتراك مع غيرها و يتمثل في تلاقي أرادتين علي إحدث أثر قانوني معين و هو ما يتمثل في العقود الإدارة ، و قضاء الإلغاء يتعلق بالأمر الأول و هو المتمثل في القرارات الإدارية .
فيقال في فرنسا منذ عهد لافريير Laferriere أي منذ نهاية القرن التاسع عشر و بداية القرن العشرين أن قضاء الإلغاء يشمل الطعن لتجاوز السلطة Le recours pour exces de pouvoir و الطعن بالنقض Le recours en cassation بحسب ما إذا كان القرار المطعون فيه قراراً إدارياً أم قراراً قضائياً ، و ان هذين القرارين قد اشتركا في وحدة الأصل إلا أن كل منهما يحمل بعض الشبه للآخر.
و بالتالي لما كانت سلطة وقف تنفيذ القرارات الإدارية مشتقة من قضاء الإلغاء ، إذ أن أساس ذلك و مرده أن رقابة القضاء الإداري لمشروعية القرارات الإدارية سواء ما تعلق منها بوقف تنفيذها أو إلغائها ، هي رقابة مشروعية بما من شأنه أن يخول القاضي الإداري في كلتا الحالتين التعرف علي مدي مشروعيتها من حيث مطابقتها للدستور و القوانين و اللوائح ، و بالتالي فإنه يتعين عليه ألا يلغي قرارا إداريا إلا إذا شابه عيب من عيوبه ، كما أنه لا يوقف تنفيذه إلا إذا كان البين بحسب الظاهر من الأوراق أنه مشوب بعيب من هذه العيوب ، و توافرت بالإضافة إلي ذلك حالة الاستعجال المبررة لتدخله لوقف تنفيذه .
و من ثم فإنه يثور دائما العديد من التساؤلات حول مدي جواز وقف تنفيذ القرارات الإدارية ، و ماهية طلب وقف تنفيذ ذلك القرار و ما إذا كان طلب أو دعوي ، و غيرها من التساؤلات التي سوف نحاول أن نلقي الضوء عليها في هذا البحث .
و ترتيباً علي ما تقدم ، سوف نقسم البحث الماثل إلي خمسة مباحث نعرض لها علي النحو التالي :

المبحث الأول : ماهية دعوي وقف تنفيذ القرارات الإدارية .

المبحث الثاني : القرارات التي يجوز طلب وقف تنفيذها .
المبحث الثالث : مناط ولاية وقف تنفيذ القرار الإداري .
المبحث الرابع : ركنا الجدية و الاستعجال .
المبحث الخامس : مدي خضوع طلبات إلغاء القرارات الإدارية المقترنة بطلبات وقف التنفيذ لأحكام القانون رقم (7) لسنة 2000 .
المبحث السادس : الفصل في طلب وقف التنفيذ .
المبحث السابع : حجية الحكم الصادر في طلب وقف التنفيذ ، و إيقاف الإدارة العمل مؤقتاً بقرارها.

المبحث الأول : ماهية دعوي وقف تنفيذ القرارات الإدارية

الأصل أنه إذا صدر القرار صحيحاً غير مشوباً بأي عيب من العيوب التي من شأنها المساس بصحته ، فإنه يتعين تنفيذه ، إلا أنه استثناءً من ذلك إذ صدر القرار مشوباً بعيب من تلك العيوب فإنه بذلك قد يكون محلاً للطعن بالإلغاء ، و لما كان الأصل في الطعن بالإلغاء أنه لا يوقف تنفيذ القرار بمجرد إيداع صحيفته قلم كتاب المحكمة حيث أن طلب وقف التنفيذ مجرد فرع أو استثناء من دعوي الإلغاء، و بالتالي فأنه يتعين علي الطاعن أن يطلب من المحكمة وقف تنفيذ القرار لحين الفصل في موضوعه ، و هنا تقوم المحكمة ببحث مدي توافر شروط وقف التنفيذ و هما ركنا الجدية و الاستعجال من عدمه .
إن المشرع لم يقم بوضع تعريف جامع مانع لوقف تنفيذ القرارات الإدارية ، إذ أن جل ما نص عليه المشرع بموجب نص المادة 49 من قانون مجلس الدولة هو أنه قد أجاز للمحكمة وقف تنفيذ القرار الإداري ، إلا أنه وضع قيد علي هذه السلطة و هو أن تكون نتائج تنفيذ القرار يتعذر تداركها .
و من ثم فإنه يتعين لبيان ماهية وقف تنفيذ القرارات الإدارية تعريفه ، و بيان طبيعته .
فقد عرفه بعض الفقهاء : “بأنه إجراء استثنائي لا يتم اللجوء إليه إلا بشروط ضيقة ، و ذلك بسبب خاصية التنفيذ المباشر للقرارات الإدارية ، و بسبب خاصية الأثر غير الواقف لطرق الطعن في المواد الإدارية “.
و من ثم فوقف تنفيذ القرار الإداري : في حقيقته طلب مستعجل يتقدم به الطاعن علي القرار الإداري ، مبتغياً به توقي آثار تنفيذ هذا القرار التي قد يتعذر تداركها أو إعادة الحال إلي ما كان .عليه
و قد استقر قضاء مجلس الدولة المصري علي ماهيته و مرماه بأنه ينصرف إلي القرار الإداري بمعناه الفني الدقيق ، فيتعين أن يكون هناك قرار إداري بهذا الوصف ، أصدرته جهة الإدارة ، ليتسني طلب وقف تنفيذه ، أما ما عدا ذلك فإنه لا يجوز طلب وقف تنفيذه .
و من ثم فإنه يخلص من ذلك كله بأن طلب وقف التنفيذ هو بمثابة فرع أو استثناء علي الأصل العام و هو دعوي الإلغاء ، و بمقتضاه يتم تعطيل تنفيذ القرار الإداري إلي حين صدور حكم في موضوع الدعوي .
و هنا يتعين تمييز طلب وقف تنفيذ القرار الإداري عن وقف التنفيذ من جانب جهة الإدارة ، فالفرض هنا أن جهة الإدارة و هي القائمة علي إدارة المرافق العامة بانتظام و اضطراد و هي بصدد ذلك أن تصدر قراراتها في سبيل إدارتها ، و أن هذه القرارات قابلة للتنفيذ بمجرد صدورها ، إلا أن جهة الإدارة قد تقوم بإصدار قرار بعد ذلك بوقف العمل مؤقتاً بذلك القرار ، دون اتباع الإجراءات الواجب اتباعها للإلغاء.
حيث أن الأصل في القرارات الإدارية أنها تصدر خالية من أي عيب من عيوب القرار الإداري و تهدف إلي تحقيق المصلحة العامة ، و هو ما يفرض فيها صحتها و عدم مخالفتها لأحكام القانون أو المساس بحقوق الغير ، إلا أنه قد يتبين لجهة الإدارة أنه قد يترتب علي ذلك القرار إخلال بالنظام العام ، فتتدخل جهة الإدارة مصدرة القرار للحيلولة دون ذلك عن طريق وقف تنفيذ قرارها ، و هذا الوقف يأخذ إحدي صورتين : أما أن يكون صريح و أما أن يكون ضمني .
فالوقف الصريح يتمثل في إصدار جهة الإدارة لقرار بوقف سريان قرارها السابق مؤقتاً ، بما يعني أن القرار السابق لن يرتب أي أثر ، و تتمكن جهة الإدارة خلال تلك المدة دراسة القرار محل الوقف ، و أن تحدد موقفها بشأن هذا القرار إذ أنه قد يتبين لها أن استمرار تنفيذ ذلك القرار من شأنه الإخلال بالنظام العام .
أما الوقف الضمني فهو عندما تقوم جهة الإدارة بالامتناع عن تنفيذ قرار صدر عنها سواء انتظاراً لنتيجة الفصل في دعوي قضائية مرفوعة أمام القضاء أو انتظاراً لنتيجة التظلم .
مع ملاحظة أن المحكمة الإدارية العليا قد قضت بأن الفصل في مشروعية قرار صادر بوقف العمل مؤقنا بقرار سابق يستلزم البت في مشروعية القرار الموقوف ، فيغدو القراران مطروحين أمام المحكمة ، و لو لم يطعن إلا في القرار الواقف .

 

المبحث الثاني : القرارات التي يجوز طلب وقف تنفيذها

القرار الإداري بمعناه الفني الدقيق هو وحده الذي يجوز وقف تنفيذه ، و من ثم يتعين أن يكون هذا القرار نهائي موجود و قائم و منتج لآثاره عند إقامة دعوي الإلغاء و طلب وقف تنفيذه ، أما ما عدا ذلك من أعمال السلطة التنفيذية فإنه لا يجوز طلب وقف تنفيذه سواء ما تعلق منها بالأعمال المادية أو غيرها من العقود الإدارية .
و من ثم فالقرار الإداري الذي يجوز طلب وقف تنفيذه هو : ذلك التصرف القانوني الذي يصدر عن الإدارة بما لها من سلطة عامة ملزمة ، لينشيء مركزاً قانونياً جديداً ، أو يؤثر في مركز قانوني قديم ، لفرد محدد أو لعدد من الأفراد ، محددين أو موصوفين .
و بمعني آخر هو ذلك القرار الذي تفصح به الإدارة عن إرادتها الملزمة للأفراد بناء علي سلطتها العامة بمقتضي القوانين و اللوائح ، حيث تتجه تلك الإرادة نحو إنشاء مركز قانوني .
و المشرع بموجب حكم المادة 49 من قانون مجلس الدولة قرر بأن القرارات التي يجوز طلب وقف تنفيذها هي فقط القرارات التي يقبل طلب إلغائها دون أن يكون التظلم منها وجوبياً قبل رفع دعوي الإلغاء ، فإذا كانت تلك القرارات من القرارات التي يجب التظلم منها قبل رفع دعوي الإلغاء و التي حددها المشرع علي سبيل الحصر في المادة سالفة الذكر ، فإنه لا يجوز طلب وقف تنفيذها .
و هو ذات ما قررته المحكمة الإدارية العليا فقد قضت بأن القرارات التي لا يقبل طلب إلغائها قبل التظلم منها إدارياً لا يجوز طلب وقف تنفيذها – حدد المشرع في قانون مجلس الدولة هذه القرارات علي سبيل الحصر ، و هي القرارات الصادرة بالتعيين في الوظائف العامة أو الترقية أو منح العلاوات أو بالإحالة علي المعاش أو الاستيداع أو الفصل بغير الطريق التأديبي أو الصادرة بجزاءات تأديبية ، مؤدي ذلك أن ما عدا ذلك من قرارات يجوز النظر في طلب وقف تنفيذها باعبارها صادرة في شأن منازعة إدارية يصدق عليها وصف “سائر المنازعات الإدارية” المنصوص عليه في البند الرابع عشر من المادة (10) من قانون مجلس الدولة .
و ترتيباً علي ذلك ليس كل ما تصدره جهة الإدارة يعد قراراً إدارياً مما تختص محاكم مجلس الدولة بنظر طلب إلغائه ووقف تنفيذه ، بل لابد لتحقق هذا الوصف أن يكون القرار قراراً إدارياً بحكم موضوعه ، و من ثم المنازعة في الإجراء الذي اتخدته جهة الإدارة بعدم صرف الراتب خلال فترة الانقطاع عن العمل هي منازعة في راتب ، بعيدة عن القرار الإداري بالمعني الفني الدقيق ، حيث لا يتعلق نوضوع القرار فيها بطلب استمرار صرف المرتب بمناسبة صدور قرار إنهاء الخدمة ، فتخرج هذه المنازعة عن نطاق القرارات الإدارية التي يجوز طلب وقف تنفيذها.

المبحث الثالث : مناط ولاية طلب وقف تنفيذ القرار الإداري

إن سلطة وقف تنفيذ القرارات الإدارية مشتقة من سلطة الإلغاء و فرع منها ، و مردها إلي أن رقابة القضاء الإداري لمشروعية القرارات الإدارية ، سواء في مجال وقف تنفيذها او في مجال إلغائها ، هي رقابة مشروعية تسلطها المحكمة في الحالين علي هذه القرارات لتتعرف مدي مشروعيتها من حيث مطابقتها للدستور و القوانين و اللوائح نصاً و روحاً ، فينبغي ألا تلغي قراراً إدارياً إلا إذا شابه عيب من هذا القبيل ، و ألا توقف تنفيذه إلا إذا كان البين حسب الظاهر من الأوراق أنه موصوم بمثل هذا العيب ، علي أن يكون ثابتا إلي جانب ذلك توفر حالة الاستعجال المبررة لهذا التدل من القاضي الإداري لوقف تنفيذ القرار الإداري علي خلاف طبيعته و الغاية من إصداره .
و قد حرص المشرع علي أن يتلافي النتائج الخطيرة التي قد تترتب علي التنفيذ ، مع المحافظة في الوقت نفسه علي مبدأ سلامة القرارات الإدارية و طبيعتها التنفيذية الذي يجعلها نافذة حتما بقوة القانون طبقاً لمقتضيات النظام العام الإداري ، فشرع لمن أصابه ضرر من القرار حق الإلتجاء للقضاء بطلب وقف تنفيذ القرار مؤقتاً حتي يصدر حكم بإلغائه في الموضوع أو برفض هذا الإلغاء ، و ذلك استثناء من الأصل الذي تفرضه طبيعة النظام الإداري و طبيعة القرارات الإدارية و الغاية منها، و التي تحتم أصلاً و أساساً صدورها نافذة قانوناً.
و قضت المحكمة الإدارية العليا في ذلك بأنه لا يدخل بأي وجه في ولاية وقف التنفيذ كل ما يقتضي التوغل في الموضوع من حيث الوقائع أو بالنسبة للمسائل القانونية محل البحث و موضوع النزاع – ينبني علي ذلك أن تقف رقابة المحكمة علي ما يبدو من ظاهر الأوراق عند نظرها لطلبات وقف تنفيذ القرارات الإدارية المطعون فيها ؛ حتي لا تتجاوز حدود ولايتها و اختصاصها بما يتعارض مع الطبيعة المستعجلة لهذه الطلبات – يتعين علي أصحاب الشأن في طلب وقف تنفيذ القرار الإداري النافذ قانونا أن يثبتوا بصورة ظاهرة و كافية و معقولة مخالفة هذا القرار لصحيح أحكام القانون ، أو خروجه علي غايات المصلحة العامة ، و ذلك في إطار و حدود ما يقتضيه قيام وقف تنفيذ القرار الإداري المطعون عليه بحسب الظاهر من الأوراق علي سند دي و مقبول قانونا و عقلا ، و دون حاجة من القاضي الإداري إلي البحث و التحقيق و التدقيق في المستندات أو التوغل في موضوع النزاع الخاص بدعوي الإلغاء ، أو ماهية الجهة صاحبة الاختصاص علي عين النزاع – إذا لم يكن ذلك ظاهرا بصورة كافية و معقولة لبيان العيب الذي يشوب القرار المطلوب وقف تنفيذه ، وجب قانونا علي القاضي الإداري رفض وقف تنفيذ القرار ، و العكس صحيح .

 

المبحث الرابع : ركنا الجدية و الاستعجال

لما كان يحق للجهة الإدارية و هي بصدد تصديها لإدارة المرافق العامة بانتظام و اطراد إصدار قرارتها الإدارية بغية تحقيق هذا الهدف ، و أن هذه القرارات بمجرد صدورها يفترض فيها الصحة و أنها خالية من عيوبها ، إلا أن هذه القرارات قد تمس مركزاً قانونياً لصاحب الشأن علي النحو الذي يجعل هذه القرارات محل طعن بالإلغاء ، و لما كان طلب وقف التنفيذ هو بمثابة فرع من دعوي الإلغاء و أنه ينصب علي قرار إداري ، إلا أنه يتعين توافر ركنين في هذا الطلب حتي تقوم المحكمة بإجابته لطلبه وقف تنفيذ ذلك القرار ، هذين الركنين هما : الجدية و الاستعجال ، فإذا تبين للمحكمة عدم توافر أي من هذين الركنين فإنها تقضي برفض الطلب ، و تنظر المحكمة أولا في توفر الاستعجال ثم تنظر جدية الأسباب ، و في شأن ركن الجدية تكتفي المحكمة بترجيح وجه إلغاء القرار المطلوب وقف تنفيذه.
مع مراعاة أن البعض يضيف شرط ثالث و هو اقتران طلب وقف تنفيذ القرار بطلب إلغائه ، باعتبار أن المشرع قد اشترط لقبول طلب وقف التنفيذ أن يقترن بطلب إلغاء القرار الإداري المطلوب إيقافه ، و رتب علي مخالفة هذا الشرط الحكم بعدم قبول الدعوي ذلك أن طلب وقف التنفيذ متفرع عن طلب إلغاء القرار الإداري ، فلا يجوز الحكم بقبول ذلك الطلب إلا إذا كان مقترناً بطلب إلغاء القرار الإداري المرجو وقف تنفيذه ، و بمفهوم المخالفة فإن قبول طلب وقف التنفيذ وحده قد يؤدي إلي نتائج شاذة و غير منطقية ، إذ أنه بصدور الحكم بوقف تنفيذ القرار فإن هذا القرار يظل موقوفاً بناء علي ذلك الحكم و علي أساس الظاهر و البين من الأوراق دون أن يكون للمحكمة الحق في إخضاع ذلك القرار لرقابة الإلغاء ، و لا يكون للمحكمة في مثل هذه الحالات أن تتصدي من تلقاء نفسها و تتعرض لإلغاء القرار .
ففي ذلك بينت المحكمة الدستورية العليا في حكمها الصادر بجلسة 3/12/2016 في القضية رقم 91 لسنة 18 القضائية (دستورية) أن وقف تنفيذ القرارات الإدارية كأثر لرفع الدعوي طعنا عليها مؤداه – و بحسب الأصل – افتراض الضرر الذي يتعذر تداركه ، و قيام علاقة السببية بينه و بين القرارات المطعون فيها ، و هو أمر يتصل بمشروعية هذه القرارات ، و يمس الدور الذي تضطلع به باعتبارها إحدي وسائل السلطة التنفيذية لإدارة المرافق العامة بانتظام و اطراد تحقيقا للمصلحة العامة ، و من أجل ذلك تعامل تلك القرارات دوما بافتراض صحتها ، و لا ينال مجرد الطعن عليها من نفاذها ، و لا يجردها من ثم من قوتها الإلزامية ، بل يظل تطبيقها في نطاقها لازما منذ العمل بها ، فلا يعطل سريانها عائق ، و لا يرجَأ إعمالها ليكون متراخيا . و صحتها هذه تستصحبها و لا تزايلها إلا إذا صدر قضاء عن جهة القضاء المختصة بمخالفتها للقانون سواء في أوضاعها الشكلية أو بالنظر إلي مضمونها ، ليزول بأثر رجعي – و كأصل عام – ما كان لها من وجود ، منذ إقرارها .
كما قضت المحكمة الإدارية العليا بأن مناط الحكم بوقف تنفيذ القرار الإداري هو توفر ركنين أساسين ، هما : (أولا) ركن الجدية ، و مؤداه أن يبني الطلب علي أساس يرجح معه بحسب الظاهر من الأوراق الحكم بإلغاء القرار المطعون فيه ، و دون التقصي العميق في عناصر الموضوع ، أو التغلغل في تحقيق الوقائع التي يتكون منها علي نحو يقتضي الفصل بأحكام قاطعة ، أو يقتضي تقارير اهل الخبرة في مسائل أولية لازمة لثبوت وقائع الموضوع أو تكييفها ، و (الثاني) الاستعجال ، بأن يكون من شأن تنفيذ القرار ترتيب نتائج يتعذر تداركها فيما لو تراخي القضاء بإلغائه – إذا تخلف أي من هذين الركنين وجب القضاء برفض الطلب – سلطة محاكم المنازعات الإدارية في مجلس الدولة في وقف التنفيذ مشتقة من سلطة الإلغاء و فرع عنها ، مردها إلي رقابة المشروعية – الحكم الذي يصدر في موضوع طلب وقف التنفيذ ، سواء بوقف التنفيذ أو عدمه علي حسب الظاهر الذي يبدو من وقائع الدعوي ، لا يمس أصل طلب الإلغاء ، فلا يقيد المحكمة عند نظر أصل هذا الطلب موضوعا ، و الحكم الصادر في طلب وقف التنفيذ هو حكم قطعي له مقومات الأحكام و خصائصها .
كما قضت المحكمة الإدارية العليا في قضاء حديث لها بأن المشرع اشترط لقبول طلب وقف تنفيذ القرار الإداري أن يقترن طلب وقف التنفيذ بطلب إلغاء القرار الإداري المطلوب إيقتف تنفيذه في صحيفة الدعوي ، بحيث يترتب علي مخالفة هذا الشرط الشكلي الحكم بعدم قبول الدعوي – الحكمة من هذا الشرط هي أن طلب وقف التنفيذ فرع عن دعوي الإلغاء ، فلا يجوز قبول ذلك الطلب إلا مقترنا بطلب الإلغاء ، و السماح بقبول طلب وقف التنفيذ استقلالا عن طلب الإلغاء قد عملا إلي نتائج غير منطقية ، فإذا صدر حكم المحكمة بوقف تنفيذ القرار فإن القرار يظل موقوفا تنفيذه بناءً علي حكم مؤقت صدر علي أساس ظاهر الأوراق ، بينما يظل القرار عصياً علي الخضوع لرقابة الإلغاء ، لأن صحيفة الدعوي لم تتضمن طلب إلغاء القرار ، فلا يجوز للمحكمة من تلقاء نفسها أن تتعرض لإلغاء القرار ؛ لأن ذلك لم يطلب منها .

 

المبحث الخامس : مدي خضوع طلبات إلغاء القرارات الإدارية المقترنة بطلبات وقف التنفيذ لأحكام القانون رقم (7) لسنة 2000

إن المشرع قرر بموجب أحكام القانون رقم 7 لسنة 2000 إنشاء لجان التوفيق في بعض المنازعات التي تكون الوزارات والأشخاص الاعتبارية العامة طرفا فيها التي تنشأ بين هذه الجهات وبين العاملين بها أو بينها وبين الأفراد والأشخاص الاعتبارية الخاصة ، وفيما عدا المنازعات المستثناة بحكم القانون والوارد النص عليها حصرا في المادتين 4 ، 11 من هذا القانون فقد أوجب المشرع قبل اللجوء إلى القضاء تقديم طلب التوفيق إلى اللجنة المختصة ، وبالنسبة للقرارات الإدارية النهائية الصادرة بالتعيين أو الترقية أو منح العلاوات أو الإحالة إلى المعاش أو الاستيداع أو الفصل بغير الطريق التأديبي أو القرارات النهائية للسلطات التأديبية فقد أوجب المشرع على اللجنة القضاء بعدم قبول الطلب إذا لم يقدم خلال الميعاد المقرر للطعن فيه بالإلغاء وهو ستون يوما من تاريخ نشر القرار أو إعلان صاحب الشأن به وبعد تقديم التظلم منه وانتظار المواعيد المقررة للبت فيه وهي ستون يوما من تاريخ تقديم التظلم بحيث يكون لزاما تقديم الطلب إلى اللجنة خلال الستين يوما التالية ما لم تجب جهة الإدارة على التظلم قبل انقضاء الستين يوما المقررة للبت في التظلم فيكون الميعاد في هذه الحالة خلال الستين يوما التالية لتاريخ البت في التظلم ، و لما كان البعض يقوم باقران طلب إلغاء القرارات الواجب التظلم منها بطلب وقف التنفيذ بغية الإستفادة من الإعفاء المقرر من اللجوء إلي اللجنة المشار إليها ، فإن المحكمة الإدارية العليا “دائرة توحيد المبادئ” كان لها اتجاه قديم في ذلك ثم عدلت عنه بعد ذلك بحكم شهير لها صادر جلسة في 1/1/2011.
إذ أنها بجلسة 10 من مايو سنة 2008 انتهت المحكمة الإدارية العليا “دائرة توحيد المبادئ” في الطعن رقم 13762 لسنة 49 القضائية عليا (المبدأ رقم 74) إلى أن المشرع قد استثنى من الخضوع لأحكام القانون رقم (7) لسنة 2000 بعض المسائل، ومن بينها طلبات إلغاء القرارات الإدارية المقترنة بطلبات وقف التنفيذ، وقد جاء ذلك في عبارة صريحة لا لبس فيها أو غموض، بحيث تنصرف إلى كافة القرارات، سواء تلك الواجب التظلم منها قبل رفع الدعوى والقرارات التي لا يجب التظلم منها، فالعبرة في هذا الصدد بأن يتضمن طلب إلغاء القرار الإداري طلبا بوقف تنفيذه، بما يخرجه حينئذ عن عداد المسائل التي تخضع لأحكام ذلك القانون رقم (7) لسنة 2000.
و قد قررت المحكمة الإداريىة العليا “دائرة توحيد المبادئ” العدول عن هذا المبدأ في حكمها الصادر بجلسة 1 من يناير سنة 2011 في الطعن رقم 23182 لسنة 51 القضائية عليا (المبدأ رقم 85)، حيث انتهت إلى وجوب عرض طلبات الإلغاء التي لا يجوز طلب وقف تنفيذها على لجان التوفيق في بعض المنازعات، ولو اقترنت بطلبات لوقف تنفيذها .

 

المبحث السادس : الفصل في طلب وقف التنفيذ

إذا أقام المدعي دعواه أمام إحدي محاكم مجلس الدولة طالباً الحكم فيها بوقف تنفيذ ثم إلغاء القرار محل التداعي ، و تبين للمحكمة توافر الشروط التي تطلبها المشرع في طلبات وقف التنفيذ ، فهنا يتعين علي المحكمة الفصل في طلب وقف التنفيذ صراحة و بشكل قاطع يحسم النزاع في كل ما يسبق عليه من مسائل تتعلق بشكل الدعوي و الدفوع الشكلية و غيرها من الدفوع المتعلقة بعدم القبول ، و كذا الدفع بعدم الاختصاص ، إلا أن ذلك كله مرهون بعدم التعرض لموضوع النزاع و الدفوع التي تخرج طبيعتها عن طبيعة طلب وقف التنفيذ مثال ذلك الدفع بالتزوير تخرج طبيعته عن طبية طلب وقف التنفيذ و من ثم يتعين إرجاء البحث فيه إلي حين الفصل في موضوع النزاع.
و في ذلك قضت المحكمة الإدارية العليا بأن :”يتعين علي المحكمة أن تفصل صراحة و بشكل قاطع في شكل الدعوي و في الدفوع الشكلية و الدفع بعدم الاختصاص ، قبل الفصل في موضوع الطلب المستعجل ، و إلأا كان حكمها مخالفا للقانون “.
كما قضت بأن : ” طبيعة نظر طلب وقف التنفيذ : تفصل المحكمة في طلب وقف التنفيذ دون التوغل في الموضوع – يتعارض هذا مع تعطيل و تعويق الفصل فيه باللجوء إلي دفوع أو طلب استيفاء عناصر من الواقع أو بحوث في القانون خارج جوهر الطلب العارض ، أو إذا كان تحقيق ذلك لا يتم إلا بعيدا عن الأوراق المودعة ملف الدعوي – الدفع بالتزوير تتعارض إجراءاته مع طبيعة النظر في الطلب العامل – أثر ذلك : إرجاء البحث فيه إلي حين الفصل في الموضوع” .

 

المبحث السابع : حجية الحكم الصادر في طلب وقف التنفيذ ، و إيقاف الإدارة العمل مؤقتاً بقرارها

إذا تبين للمحكمة توافر شروط و أركان طلب وقف تنفيذ القرار الإداري و قضت في هذا الطلب فإن حكمها الصادر في طلب وقف التنفيذ يعد حكم قطعي له مقومات الأحكام و خصائصها فهو يحوز الحجية في شأن طلب وقف تنفيذ القرار “الشق العاجل وحده” ، إلا أنه حكم مؤقت ذو حجية مؤقتة ، كما أن هذا الحكم يحوز حجية بالنسبة لما فصلت فيه المحكمة من مسائل أولية و فرعية سابقة علي الفصل في طلب وقف التنفيذ كالدفع باختصاص أو عدم اختصاص المحكمة ، و كذا الدفع بعدم قبول الدعوي لرفعها بعد الميعاد و غيرها من الدفوع التي لا تمس أصل موضوع النزاع و تكون سابقة علي الفصل في طلب وقف التنفيذ نفسه ، و قضائها في هذا كله يقيده عند نظر موضوع النزاع .
فإذا أصبح الحكم الصادر في طلب وقف التنفيذ نهائياً و ذلك بعدم الطعن عليه ، فإن هذا الحكم يقيد المحكمة عند نظر الموضوع بشأن الاختصاص أو الشكل فلا يجوز لها معاودة بحث أياً منهما.
فإذا تبين لنا من ذلك ، أن للحكم الصادر في الطلب العاجل “طلب وقف التنفيذ” حجية ، إلا أنها حجية مؤقتة تنتهي و يزول أثرها و يستنفد هذا الحكم أثره بمجرد صدور حكم في موضوع المنازعة ، و بالتالي فيصبح الاستمرار في نظر الطعن علي ذلك الحكم غير ذي موضوع .
مع ملاحظة أن جهة الإدارة قد يتبين لها أن قرارها السابق من شأنه الإخلال بالنظام العام ، فتقوم بإصدار قرار بوقف قرارها السابق ، و قيام جهة الإدارة بوقف هذا القرار لا يستلزم اتباع اجراءات دعوي الإلغاء ، ذلك أن كل ما هنالك أنها تقوم بإصدار قرار جديد بوقف قرارها السابق ، إلا أنه و بفرض الطعن علي القرار الجديد فإن ذلك يستلزم البحث و البت في مشروعية القرار الموقوف .
و في ذلك قضت المحكمة الإدارية العليا بأن :”سلطة محاكم المنازعات الإدارية في مجلس الدولة في وقف التنفيذ مشتقة من سلطة الإلغاء و فرع عنها ، مردها إلي رقابة المشروعية – الحكم الذي يصدر في موضوع طلب وقف التنفيذ ، سواء بوقف التنفيذ من عدمه علي حسب الظاهر الذي يبدو من وقائع الدعوي ، لا يمس بأصل طلب الإلغاء ، فلا يقيد المحكمة عند نظر أصل هذا الطلب موضوعاً – الحكم الصادر في طلب وقف التنفيذ هو حكم قطعي له مقومات الاحكام و خصائصها – أثر ذلك : يحوز الحكم الصادر في طلب وقف التنفيذ حجية الأحكام في خصوص الشق العاجل نفسه ، و لو أنه مؤقت بطبيعته ، كما يحوز هذه من باب الأولي بالنسبة لما فصلت فيه المحكمة من مسائل فرعية قبل البت في موضوع الطلب ، كالدفع بعدم اختصاص القضاء الإداري أصلا بنظر الدعوي ، أو بعدم اختصاص المحكمة ، أو بعدم قبول الدعوي أصلا لرفعها بعد الميعاد ، أو لأن القرار المطعون فيه ليس نهائياً – قضاء المحكمة في هذا كله ليس قطعياً فحسب ، بل هو نهائي و ليس مؤقتا ، فيقيدها عند نظر طلب إلغائه “.
كما قضت بأن : “متي بات الحكم الذي فصل في الطلب العاجل نهائياً بعدم الطعن عليه ، لم يجز للمحكمة أثناء نظر الموضوع معاودة البحث في الاختصاص أو الشكل”.
كما قضت في بيان آثر حجية الحكم الصادر في طلب وقف التنفيذ و غرضه بأن : “الحكم الصادر في الشق العاجل و إن كان حكما قطعيا له مقومات الأحكام و خصائصها ، و يحوز قوة الشيء المحكوم فيه ، إلا أنه حكم وقتي ينتهي أثره و يستنفد غرضه بصدور الحكم المتعلق بموضوع المنازعة ، فبصدوره يصبح الاستمرار في نظر الطعن علي الحكم الوقتي غير ذي موضوع ، و يتعين الحكم باعتبار الخصومة منتهية في شأنه”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *